
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
كيف نتعامل مع العلوم غير الدينية؟
هل الفلسفة مرفوضة بسبب أصولها اليونانيّة؟ وكيف نتعامل مع العلوم غير الدينيّة كالطب؟ وهل يُقبل الحق بغضّ النظر عن مصدره أم لا بدّ أن يكون مصدره مسلمًا؟ وهل صحيح أنّ الفلسفة التي بين أيدينا يونانيّة؟ وما هو التطوّر الذي حدث فيها على أيدي المسلمين كابن سينا والملا صدرا وابن عربي؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة مبيّنة الفرق بين معرفة الإمام الحقّة والتعلّق بظواهر الأمور كزمن ظهوره.
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
10تطوُّرُ الفلسفةِ اليونانيَّةِ في الحِضنِ الإسلاميِّ
إذًا، مَن يقولُ: بما أنَّ الفلسفةَ اليونانِيّة لم تكن داخلةً في الإسلامِ ولم تأتِ من الإسلامِ فهي باطلةٌ، فهذا نفسُهُ قد عملَ بخلافِ حكمِ العقلِ وهو نفسُهُ مجنونٌ، وهؤلاءِ لا نصيبَ لهم من العقلِ.
مُضافًا إلى أنَّ هذهِ الفلسفةَ لم تبقَ هكذا يا عزيزي، لقد جاءت إلى الإسلامِ، وأعاظمُ فلاسفةِ الإسلامِ كالفارابي وابنُ سينا والملا صدرا والشيخُ شهابُ الدينِ السهرورديُّ وصدرُ الدينِ القُونَويُّ ومحيي الدينِ بنُ عربي ومولانا جلالُ الدينِ الروميُّ، هؤلاءِ أخذوها وهضَمُوها ونضَّجوها ومزَجُوها بالمسائلِ الإسلاميَّةِ وعرَضُوها على المباني الإسلاميَّةِ وأصلحوها ووضعوها في متناولِ أيدينا. أربعمائةِ عامٍ وفلسفةُ صدرِ المتألِّهينَ الآنَ تُطرحُ كفلسفةٍ إسلاميَّةٍ. صدرُ المتألِّهينَ كانَ كلُّ افتخارِهِ أنَّنا عرضنا هذهِ الفلسفةَ على مدرسةِ أهلِ البيتِ عليهم السلام، فاذهبوا وانظروا، مُتونُهُ الآنَ موجودةٌ. في أوَّلِ كتابِ الأسفارِ يقولُ: إنَّنا بعدَ الأحاديثِ والجدالاتِ والنقاشاتِ التي أجريناها معَ هذا وذاكَ والمتكلِّمينَ وفلان، في النهايةِ حططنا رِحالَنا عندَ عتبةِ الأئمةِ عليهم السلام.۱
تنبيهٌ ذكّرني بهِ أحدُ الرفقاءِ، أظنُّ أنِّي أخطأتُ قبلَ ليالٍ إن كنتم تذكرونَ، تحدَّثتُ عنِ العتبةِ وقلتُ فَناء، وفِناءٌ (بكسرِ الفاءِ) هو الصحيحُ. أمّا فَناءٌ (بفتحِ الفاءِ) فتعني العدمَ والمحوَ والزوالَ بنفسِ المعنى الاصطلاحيِّ لها. والعتبةُ هي المدخلُ، والفِناءٌ (بكسرِ الفاءِ) هو الساحةُ أمامَ الدارِ. «إلهي عُبَيدُكَ بِفِنائِكَ» (بكسرِ الفاءِ) لا بفَنائِكَ، «مِسكِينُكَ بِفِنائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنائِكَ».
الملاّ صدرا ومحيي الدينِ: بينَ الفلسفةِ والعرفانِ
يقول الملاّ صدرا: بعدَ كلِّ هذهِ المسائل، جِئنا وحططنا رِحالَنا عندَ بابِ أهلِ البيتِ عليهم السلام، ويقولُ: كتاب الأسفارِ الذي أكتبُهُ الآنَ هو بعدَ هذهِ المرحلةِ من مراحل الفلسفة، وأنا أكتبه بتهذيبٍ لها ومراقبةٍ ودقَّةِ. فالملاّ صدرا كانَ مُحدِّثًا، مُطَّلِعًا على جميعِ الأخبارِ، فانظروا إلى تفسيره لتروا كم هو حقًا تفسيرٌ عجيبٌ، فقد كانَ مُطَّلِعًا على جميعِ آراءِ المفسِّرينَ، وعلى الرواياتِ، فهذا هو الملاّ صدرا، هل كان رجلاً قليل الاطّلاع؟! لم يكن الملاّ صدرا يبالي بابن سينا بسببِ مدرسته المشَّائيّة، ولكن عندما كانَ يُريدُ أن يذكرَ اسمَ محيي الدينِ ـ لأنَّ محيي الدينِ ذلكَ العارف الكبير والعظيم ومن مفاخِرِ الإسلامِ، حقًا هو من مفاخِرِ الإسلامِ ـ فانظروا أيّ ألقابٍ كان يأتي بها، أيّ ألقابٍ عجيبةٍ وغريبةٍ يأتي بها لهُ. ثمّ نقولُ هذهِ فلسفةٌ يونانيَّةٌ وليست من الإسلامِ! يا عزيزي صحيح أنّ تلكَ الفلسفةَ يونانيَّة، ولكن هذهِ التي لدينا الآنَ، نبحثُها ونتأمَّلُ فيها بعقولِنا ومنطقِنا، لا بتعبُّدِنا! لا لأنَّ الملاّ صدرا قالَ هذا، فالملا صدرا قالَ ما قالَ لنفسِهِ، فمعَ كلِّ عظمتِهِ واحترامِهِ وجلالةِ شأنِهِ ورفعة مقامِهِ وعظمتِهِ وطهارتِهِ التي اكتسبَها هذا العظيمُ، بالرياضاتِ والمراقباتِ وتهذيبِ النفسِ والاعتزالِ والابتعادِ عن هؤلاءِ العوامِّ الذين هم كالأنعامِ وأهلِ العلمِ الذين لم يدركوا شيئًا والجهلةِ، معَ ذلكَ عندما ندرسُ كلامَهُ نقيسُهُ بعقولِنا، ربّما لا نقبلُ ببعضِهِ أيضًا! فكلامه ليسَ آيةً قرآنيةً ولا روايةَ معصوم، في النهاية هو أيضًا كانَ واحدًا مثلَنا.٢ نعم كان رجلًا عظيمًا وصاحبَ مقاماتٍ ولكنَّهُ لم يكن إمامًا! فالإمام الصادق عليه السلام شيء آخر، والإمامُ الباقرُ عليه السلامشيء آخر، هؤلاءِ الأعاظمُ لهم شأنهم، ولكن أئمَّتُنا لهم شأنٌ آخر. بل إنّ افتخارَ صدرِ المتألِّهين هو أنَّهُ تلميذُ مدرسةِ الإمامِ الصادقِ عليه السلام ولكنَّهُ ليسَ الإمامَ الصادقَ عليه السلام نفسَهُ، ليسَ الإمامَ الباقرَ عليه السلام نفسَهُ! وليسَ هو بالإمامَ الرضا عليه السلام، فالإمام شأن آخر تمامًا. ماذا يعني كلامُ الإمامِ معصومٌ؟ يعني أنّه لوِ انقلبتِ الدنيا رأسًا على عقب، فكلامُ الإمامِ لا ينقلبُ رأسًا على عقبٍ، هذا هو واقع الأمر. لوِ انطبقتِ السماءُ على الأرضِ وصارَ العالمُ كلُّهُ كن فيكونَ، فالكلامُ الذي يقولُهُ الإمامُ الجوادُ عليه السلام لهُ أبديَّةٌ وحياةٌ بأبديّة الله، هذا هو كلام المعصوم. الكلامُ الذي يقولُهُ الإمامُ السجَّادُ عليه السلام باقٍ ببقاءِ اللهِ تعالى. لماذا؟ لأنَّ هذا الكلامَ هو كلامُ اللهِ تعالى، كلامُ اللهِ على لسانِ عبدِ اللهِ، عبدِ اللهِ الصالحِ. ولكن بقيَّة الكلماتِ فيها خليطٌ وفيها جيِّدٌ وفيها مراتبُ من جهة درجةِ النُضجِ ودرجة فعليَّةِ النفسِ الناطِقةِ للمتكلِّمِ، قائلِ هذا الكلامِ.
- قال الملاّ صدرا في الأسفار ج۱ ص ٣۷: وإنّي لأستغفر الله كثيرًا مما ضيّعت شطرًا من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث حتّى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر، فكلّ ما بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه ولم نحتل أن نخيّل له وجهًا عقليًّا ومسلكًا بحثيًّا، بل اقتدينا بهداه امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ *حتى فتح الله على قلبنا ما فتح فأفلح ببركته متابعته وأنجح.
وراجع حول هذا الموضوع: حريم القدس، ص ٦۰ وما بعدها.
* سورة الحشر(٥٩)، الآية ۷. - يقول الملاّ صدرا في الأسفار ج۱ ص ٣٦: وإنّي لا أزعم أنّي قد بلغت الغاية فيما أوردته، كلاّ فإنّ وجوه الفهم لا تنحصر فيما فهمت ولا تحصى، ومعارف الحقّ لا تتقيّد بما رسمت ولا تحوى؛ لأنّ الحقّ أوسع من أن يحيط به عقل وحدّ، وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد.
- قال الملاّ صدرا في الأسفار ج۱ ص ٣۷: وإنّي لأستغفر الله كثيرًا مما ضيّعت شطرًا من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث حتّى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر، فكلّ ما بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه ولم نحتل أن نخيّل له وجهًا عقليًّا ومسلكًا بحثيًّا، بل اقتدينا بهداه امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ *حتى فتح الله على قلبنا ما فتح فأفلح ببركته متابعته وأنجح.
