ما هي المعرفة التي تُوصِلُ إلى الله؟
9قصّةُ الرجلِ الذي اعترفَ بفضلِ العلامةِ وصلَّى خلفَ غيرِهِ
أحدُ هؤلاءِ، بالمناسبةِ، أُعجبْنا بهِ كثيرًا وكنّا على علاقةٍ جيّدةٍ بهِ وكانَ يمزحُ معنا كثيرًا هناكَ. يومًا ما في منًى، أصابتْنِي ضربةُ شمسٍ وتغيّرتْ حالتِي وكانتْ هناكَ احتمالاتٌ، في نفسِ المكانِ الذي كنّا نجلسُ فيهِ ولمْ أكنْ في وعيِي، كانَ السيّدُ جالسًا أيضًا ومجموعةٌ منَ الرفقاءِ، كانَ هناكَ وعاءٌ وإبريقُ ماءٍ باردٍ، فقالَ هذا: يجبُ أنْ نصبَّ هذا الماءَ على رأسِهِ، وأخذَ كلَّ هذا وصبَّهُ على رأسِي، وكانَ ذلكَ هوَ الشفاءُ، أيْ كانتْ يدُهُ شفاءً، وتغيّرتْ حالتِي وتحسّنتْ، وكانَ يحبّني كثيرًا و... بلّلَني طبعًا، كنت قدْ أحللت منَ الإحرامِ في منًى، وكانَ الجوُّ حارًّا جدًّا. فجاءَ هذا الرجلُ، وكانَ على صلةٍ بالكثيرينَ وببعضِ أهلِ العلمِ، هوَ نفسُهُ قالَ لي: يا سيّدُ، هؤلاءِ جميعًا جيّدونَ ولكنَّ أباكَ شيءٌ آخرُ. هوَ نفسُهُ يقولُ هذا الكلامَ ولكنّهُ يذهبُ ويصلِّي خلفَ ذلكَ الآخرِ، فأينَ الخللُ في الأمرِ؟ أنتَ الذي تعترفُ بأنَّ أبي شيءٌ آخرُ، لماذا تصلِّي هناكَ وتُبدِي لهُ الولاءَ وتجلسُ عندَ منبرِهِ وصلاتِهِ ومجلسِهِ وتذهبُ وتجِيءُ معَهُ؟ لماذا لا تأتِي إلى هذا الجانبِ؟ يجبُ أنْ يعرفَ الرفقاءُ أينَ الخللُ والإشكالُ؟ هذا ما أُريدُ أنْ أقولَهُ.
لماذا نعترفُ بالحقِّ ولا نتّبعُهُ؟ السرُّ في "الإيمانِ القلبيِّ"!
كيفَ يمكنُ للإنسانِ أنْ يُقرَّ بأمرٍ ما، ولمْ يقلْ هذا الأمرَ لي فقطْ بلْ قالَهُ للكثيرينَ أيضًا، وليسَ لأنّهُ يريدُ أنْ يقولَهُ أمامَنا. الخللُ هوَ أنَّنا لا نريدُ، أيْ نحنُ في مقامِ التوجُّهِ وفي مقامِ التسليمِ للمراتبِ المختلفةِ للقضيّةِ لا نريد؛ فهناك مراتبُ مختلفةٌ في النهايةِ، وأحدُهم نوعٌ ما، والآخرُ نوع آخرُ، وكلامُ أحدِهم نوع وكلامُ الآخرِ نوعٌ آخرُ، والذهابُ والمجيءُ والتواصلُ والإرشادُ والهدايةُ تختلفُ باختلافِ الأفرادِ. على الرغمِ منْ أنَّنا نُقرُّ ونعترفُ ونقولُ، ولكنَّنا في الوقتِ نفسه نذهبُ إلى الجانبِ الآخرِ، لماذا هذا؟! لأنَّ مسألةَ الإيمانِ، الإيمانَ القلبيَّ الذي يتضمّنُ تلكَ الجاذبيّةَ الخاصّةَ وذلكَ الالتصاقَ والارتباط اللازمَ للحركةِ، ذلكَ الارتباط وتلكَ الجاذبيّةَ غيرُ موجودةٍ في هذا، فهناك نوعٌ آخرُ منَ الالتصاقِ. فعلى الرغمِ منْ أنّ هذا الرجل في مقامِ الفهمِ والفكرِ والحُكمِ، كان حُكمُهُ صحيحًا، صحيحًا في حدِّ نفسهِ، لمْ يدرك الكثيرَ منَ الأمورِ عنْ هذا العظيمِ، لا بأس ولكنّهُ أدرك هذا المقدارَ وأنَّ إخلاصَ هذا الرجل يختلفُ عنْ إخلاصِ ذاك الذي يصلِّي خلفَهُ، فهذا المقدار فهمَهُ، أدرك صدقَ هذا، في النهايةِ يرَى الأعمالَ، فعندما جلستَ معَ فردٍ لمدّةِ نصفِ ساعةٍ في ذلكَ الوقتِ فهمت كيفَ هوَ ظاهرُهُ وباطنُهُ، أمّا هذا الذي تتردّدُ عليهِ منذُ عشرِ سنواتٍ في السفرِ والحضرِ والمسجدِ وفوقَ المنبرِ وتحتَ المنبرِ، ألا تفهمُ حقيقةَ أمرِه؟ أيّ إنسان يدرك هذا، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾۱، فأنتمْ تميِّزونَ الناسَ منْ كيفيّةِ كلامِهم، وهلْ يقولُ فلان الصدقَ أمِ الكذبَ؟ هلْ يمثِّلُ ويلعبُ دورًا أمْ يقولُ الحقيقةَ؟ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾٢.
- سورة محمد (٤۷) الآية ٣۰.
- سورة الرحمن (٥٥) الآية ٤۱.

