ما هي المعرفة التي تُوصِلُ إلى الله؟
8ثلاثُ طُرقٍ في السلوكِ: أيُّها الأسلمُ؟
عندما نسمعُ أنّهُ على الإنسانِ أنْ يُراعِيَ ألفاظَهُ في الصلاةِ، ويجبُ أنْ يُراعِيَ مخارجَ الحروفِ، ويلبسَ الخاتمَ، ويتوضّأَ بشكلٍ صحيحٍ ـ طبعًا كلُّ هذا صحيحٌ وليسَ خطأً ولكنْ بهذا المقدارِ فقطْ ـ وذلكَ الذي يقولُ: نحنُ في الصلاةِ ندفعُ الخواطرَ ـ وهذه مرتبةٌ أعلَى ـ ونسعَى وراءَ التوجُّهِ ونريدُ أنْ نعمِّقَ توجُّهَنا إلى اللهِ ونخلِّصَهُ ولا نمزجَهُ بالخواطرِ والأوهامِ والتخيُّلاتِ اليوميّةِ. وذلكَ الذي يقولُ: في الصلاةِ لا ينبغِي حتّى دفعُ الخواطرِ. أيَّ واحدٍ منْ هؤلاءِ الثلاثةِ نتمسّكُ بهِ ونتّخذُهُ أُسوةً ونجعلُ فكرَنا ونيّتَنا وهدفَنا وقصدَنا ووجودَنا في تلكَ المرتبةِ؟ نُلقِي أنفسَنا في تلكَ المرتبةِ؟ أيٌّ منْ هؤلاءِ؟ الآنَ هؤلاءِ الثلاثةُ وما بينَهما والمتوسِّطاتُ وسائرُ المواردِ والأشياءِ الأُخرَى في السلوكِ والأفعالِ أيضًا كذلكَ. عندما يُشاهدُ الإنسانُ كيفيّةَ حالِ فردٍ ما، يرَى أنَّ كلَّ الأعمالِ قائمةٌ على الأخذِ والعطاءِ، الأخذُ والعطاءُ يعني أنّ هذا يفعلُ هذا الشيءَ لفلان حتّى يفعلَ لهُ هوَ ذلكَ الشيءَ غدًا، والإنسانُ يعرفُ هذهِ الأمورَ وكلَّ حياتِهِ هكذا، فهذهِ فئةٌ. والفئةُ الثانيةُ همُ الذينَ يُولُونَ اهتمامًا أكبرَ للجوانبِ المعنويّةِ، والجوانبُ الظاهريّةُ أيضًا إنْ تحقّقتْ فبها، يُراعُونَ الظاهرَ أيضًا، وهذهِ أيضًا فئةٌ، وهكذا حتّى يُدركَ أنَّ هناكَ أفرادًا لا معنَى للكثرةِ في وجودِهم وفي أذهانِهم أصلًا.
فمن بين هذهِ المراتبِ، إلى أيٍّ منْ هؤلاءِ يجبُ أنْ يتوجّهَ الإنسانُ؟ هذهِ مرتبةٌ وهذهِ مرتبةٌ وهذهِ لنفترضْ أنَّها المرتبةُ الأخيرةُ، وهذهِ هيَ المرتبةُ العُليا، فإلى أيٍّ منْ هؤلاءِ يتوجّه؟ يختارُ الأفرادُ واحدًا بحسبِ فكرِهم وذوقِهم واهتمامِهم وبمقدارِ تلكَ الحصّةِ الوجوديّةِ منَ المعرفةِ التي لديهم.
قصّةُ جماعةِ الحجِّ وتأثُّرِهم بسلوكِ المرحومِ العلامةِ
في رحلةِ الحجِّ تلكَ التي كنّا فيها معَ المرحومِ العلامةِ ، كانَ هناكَ أفرادٌ مختلفونَ، كانَ عُمرِي آنذاكَ حوالي سبعةَ عشرَ عامًا، وكانَ هناكَ أفرادٌ مختلفونَ، لمْ يكنْ هناكَ أحدٌ منْ رفقاءِ السلوكِ بحسب الظاهر، لمْ يكنْ أحدٌ منهم، بل كانَ هناكَ مجموعةٌ منْ أهلِ المساجدِ وبعضُهم مرتبطٌ ببعضِ الهيئاتِ۱ وأفرادٌ مختلفونَ، وكلُّ الذينَ كانوا هناكَ اتّفقُوا بالإجماعِ على التأثُّرِ بأعمالِ المرحومِ العلامةِ وسلوكِه. جميعُهم، سواءٌ أولئكَ الذينَ كانوا في المسجدِ أوْ أولئكَ الذينَ كانوا في الهيئاتِ، كانوا على صلةٍ بالكثيرينَ وكانوا يُعاشرونَ الكثيرينَ، وكانَ واضحًا في نهايةِ تلكَ الأيّامِ، في تلكَ الأيّامِ الأخيرةِ ونهايةِ الحجِّ، أنَّ هؤلاءِ باختصارٍ قدْ فهمُوا بعضَ الأمورِ بحسبِ أفكارِهم وأفهامِهم، وأنّهُ يوجدُ هنا خبرٌ ما، فلمْ يكونُوا أفرادًا عاديّينَ أيضًا وكانوا يُعاشرونَ الجميعَ ويدعُونَ المراجعَ إلى هيئاتِهم وكانَ المراجعُ يذهبونَ إلى هيئاتِهم سواءٌ للمشاركةِ في صلاةِ الجماعةِ أوْ لإلقاءِ الخُطبِ على منابرِهم، كانوا يقولونَ لنا، في ذلكَ الوقتِ. عندما عادُوا جاءُوا إلى المرحومِ العلامةِ: يا سيّدُ، تعالَ إلى هيئتِنا، إلى مكانِنا تولَّ أمرًا ما. فلمْ يقبلِ المرحومُ العلامةُ، وفي النهايةِ قالَ المرحومُ العلامةُ: يا عزيزِي! لماذا تريدونَني؟ قالُوا: لكَيْ تأتِيَ وتتولَّى المسؤوليّةَ [هناكَ]. فقالَ: هلْ تستمعونَ لكلِّ ما أقولُ؟ قالُوا: نعمْ. قالَ: افعلُوا الأمرَ الفلانيَّ أولًا. فتراجعَ الجميعُ، لماذا؟ أنتمُ الذينَ تعرفونَ أنَّ هذا السيّدَ يختلفُ عنِ الآخرين، فلماذا تتراجعونَ؟ أليسَ على الإنسانِ أنْ يقبلَ الحقَّ دائمًا ويمضِيَ قُدمًا ويختارَ الطريقَ الأفضلَ؟ ألا تقرؤونَ آيةَ القرآنِ؟ ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾٢ فلماذا لمْ تقبلُوا؟
- المراد من الهيئات المواكب الحسينيّة وإقامة المجالس بصورة عامّة. (م)
- سورة الزمر (٣٩) الآية ۱۷-۱۸.

