ما هي المعرفة التي تُوصِلُ إلى الله؟
3أسرارُ الحجِّ عندَ العارفينَ
هذا الحجُّ يختلفُ عنْ ذلكَ الحجِّ الذي قام به المرحومُ الحدّادُ رحمه الله ثمَّ نقلَ أسرارَهُ للمرحومِ العلاّمةِ، مبيّنًا ما هوَ رميُ الجمارِ، وأيُّ مرتبةٍ منْ مراتبِ الإنسانِ هيَ الوقوفُ بالمشعرِ، وفي مسيرِ رجوعِهِ إلى الحقِّ في مقامِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾۱، وأسرارَ الوقوفِ في عرفاتٍ والمشعرِ، ورميَ الشيطانِ، واستقبالَ القبلةِ واستدبارَها، والسعيَ بينَ الصفا والمروةِ، واتّباعَ السيّدةِ هاجرَ عليها السلام، وفي أيِّ مرتبةٍ يجبُ أنْ يتمَّ هذا الاتّباعُ، ولماذا يجبُ على الإنسانِ أنْ يعمل كعمل هذهِ السيّدةِ العظيمةِ حتّى يومِ القيامةِ، بلْ يجب هذا حتّى على الأنبياء والأئمّة عليهم السلام؛ وكذا الأمر في الصلاة خلفَ مقامِ إبراهيمَ عليه السلام، حيثُ يضعُ الإنسانُ موطئَ قدميهِ أمامَهُ ويصلِّي خلفَ موطئِ قدمَيْ إبراهيمَ عليه السلام، فما قيمةُ موطئِ القدمِ هذا وما المكانةُ التي يحصِّلُها الإنسانُ بهذهِ الصلاةِ التي لوْ صلّاها في أماكنَ أُخرى لبطلتْ؟ يجبُ أنْ يقفَ خلفَ قدمَيْ إبراهيمَ عليه السلام ليقومَ بهذا العملِ، أيْ أنَّ هذهِ الصلاةَ التي أُصلِّيها الآنَ تجعلُنِي شريكًا معَ إبراهيمَ عليه السلام في بناءِ هذهِ الكعبةِ! هلْ هذا الحجُّ بهذهِ الخصوصيّاتِ يتساوَى معَ الحجِّ الذي يقولونَ فيهِ يجبُ أنْ تضبطَ كتفَكَ بزاويةٍ هندسيّةٍ معيّنةٍ تجاه الكعبة كي لا تنحرفَ يمينًا أو شمالًا؟ فهلْ هذهِ المعرفةُ كتلكَ؟! لا يعرِفُ الإنسانُ أيبكِي على هذهِ الأمورِ أمْ يضحكُ؟ أيأسفُ على هذا القدرِ منَ المعرفةِ أمْ أنَّ المسألةَ وصلتْ إلى حدٍّ لا يسمحُ لهُ بإدخالِها في أُذنيهِ أصلًا؟! هلْ هذهِ المعرفةُ توصلُ الإنسانَ إلى اللهِ؟ بدلَ الذهابِ إلى عرفاتٍ والتوجُّهِ والابتهالِ وهذهِ الأمورِ، يأتِي جنابُ رجلِ الدينِ ليقولَ: صوِّرُونا فيديو وصورًا فوتوغرافيةً ونحنُ نصلِّي، والناسُ جميعًا بدلَ أنْ يكونوا ملتفتين إلى قيمة كونهم في عرفاتٍ، تكونُ رؤوسُهم متّجهةً إلى كاميرا التصويرِ، وهوَ يدورُ بينَهم واحدًا تلوَ الآخرِ بين الصفوف ـ وهذه الأمورُ التي أقولُها قد رأيتُها بعينِي ـ فهذهِ هي عرفاتهم وتلكَ هي صلاتهم، وغير ذلك من الأمور التي ندع الكلام عنها. هلِ الأمرُ هوَ هذا أمْ ذلكَ الحجُّ الذي رأيناهُ منَ الأعاظمِ وأولياءِ اللهِ؟ وذلكَ التوجُّهُ الذي رأيناهُ منهم وتلكَ الأسرارُ التي كنّا نسمعُها منهم؟
- سورة البقرة (٢)، الآية ۱٥٦.

