ما هي المعرفة التي تُوصِلُ إلى الله؟
2أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
وصلّى اللهُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسمِ محمّدٍ
وعلى آلهِ الطيّبينَ الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ
«معرفتِي يا مولايَ دليلِي عليكَ وحُبِّي لكَ شفيعِي إليكَ وأنا واثقٌ من دليلِي بدلالتِكَ وساكنٌ من شفيعِي إلى شفاعتِكَ».
فأنا واثقٌ من أنَّ دليلِي لنْ يخذلَنِي في الدلالةِ عليكَ، ومطمئنٌّ إلى أنَّ شفيعِي سيوصلُنِي إلى شفاعتِكَ.
لقد ذكرنا أمورًا حولَ هذهِ الفقراتِ في كيفيةِّ المعرفةِ ومراتِبِها ودلالتِها على مقامِ القُربِ الإلهيِّ، وأيُّ قسمٍ من المعرفةِ يمكنُ أنْ يدلَّ على اللهِ تعالى، وأيُّ نوعٍ من المعرفةِ يمكنُ أنْ يوصلَ الإنسانَ إلى اللهِ تعالى. أهذه المعارفُ الظاهريّةُ الشائعةُ هي التي توصلُ الإنسانَ إلى اللهِ؟ وهلْ هيَ بهذا المستوى العاميِّ؟ هلْ هذهِ هي المعرفةُ التي توصلُ الإنسانَ إلى اللهِ؟ حسنًا، فكيفَ تنفعُ هذهِ المعرفةُ الإنسانَ؟! وما فائدة معرفةُ اللهِ التي تقتصرُ على أداءِ تكليفٍ ظاهريٍّ للإنسانِ؟
حجُّ الظاهرِ وحجُّ الباطنِ: هلْ يتساويانِ؟
تلكَ المعرفةُ التي يذهبُ بها المرءُ إلى الحجِّ لأداءِ فريضةِ الحجِّ، وعندما نسألُهُ عن حالِهِ ووضعِهِ؟ يقولُ: إنْ شاءَ اللهُ تنقضي هذهِ المشقةُ بعدَ يومينِ أو ثلاثةٍ ونعودُ إلى أهلِنا وأولادِنا! أفهذهِ المعرفةُ التي لا تتعدّى انتظار انتهاء المشقّة تتساوَى معَ معرفةِ الإمامِ الحسنِ عليه السلام الذي حجَّ خمسًا وعشرينَ مرةً، أكثرها ماشيًا على قدميهِ؟! هذهِ منَ القضايا التي يبدُو أنَّ قياساتِها معَها۱. فهذه المعرفةُ التي تجعل الإنسان ينظر إلى فريضةِ الحجِّ على أنّها مجرّد أداء تكليفٍ ظاهريٍّ، بحيثُ لا فرقَ لديه بين الكعبةِ وبين أيِّ تلّةٍ في الصحراءِ، غير أنَّ هناكَ تكليفًا يجب تأديتُه، أمّا الطواف في الصحراءِ حولَ التلِّ والحجارةِ فليسَ واجبًا. ولا يميّز بين السعيَ بينَ الصفا والمروةِ وبين السيرِ في الشارعِ، إلّا أنَّ الفرقَ تعلّقُ أمرٍ وجوبيّ بالأول ولا وجوب في السير في الشارع. كذلك باقي الشعائر كالذهابَ إلى عرفاتٍ والمشعرِ وغيرها، فهي لا تختلفُ عنِ السفرِ والتنقُّلِ منْ مدينةٍ إلى أُخرى والمبيت في الصحراءِ وشرب الشايِ وأكل الجبنِ والفطور، إلّا أنَّ الذهابَ إلى عرفاتٍ والمشعرِ تكليفٌ واجبٌ، أما الجلوس في الصحراءِ والنوم فيها ونصب الخيامِ فليسَ تكليفًا. يقتصرُ الفرقُ عنده على هذا الحدِّ لا أكثر. فهلْ هذهِ المعرفةُ توصلُ الإنسانَ إلى اللهِ؟ إنّ مجرّد أنَّ اللهَ قالَ تعالَوْا وانصبُوا الخيامَ وبيتُوا ليلةً ثمَّ اذهبُوا إلى هناكَ واجمعُوا بعضَ الحصَى وارمُوا بها جدارًا واذبحُوا شاةً، وإن لمْ يتيسّرِ الذبحُ هناكَ، فمنَ الأفضلِ أنْ تطلبُوا منْ أهلِكم وأولادِكم أنْ يذبحُوا عنكم! فهلِ المقصودُ هوَ الذبحُ بحدّ ذاته؟ وهلْ نفهمُ أصلًا ما هوَ الذبحُ في منَى وما هيَ آثارُهُ وخواصُّهُ؟ نحنُ بعيدونَ عنْ كلِّ هذهِ المسائلِ وتتركّزُ معرفتُنا فقطْ على مراعاةِ تكليفٍ نريدُ أنْ نستنبطَهُ ونحصّلهُ بناءً على فهمِنا الناقصِ وعلى بضعةِ أدلّةٍ ورواياتٍ.
- * القضايا الواضحة التي لا تحتاج إلى ذكر دليل وبرهان من خارجها تسمى بالقضايا التي قياساتها معها. فمجرّد تصورّها يكفي في معرفة الجواب والنتيجة. (م)

