
السلوك إلى الله في مواجهة أقدار الحياة: تصحيح المفاهيم والإجابة عن التساؤلات
الانحرافات الفكرية والأخلاقية وخطرها على المسيرة الروحية
كيف تتوافق المشيئة الإلهيّة والتقدير مع السير والسلوك إلى الله؟ هل يعني السلوك بالضرورة كثرة المشاكل أم انفراجها؟ ما الذي يميز نظرة السالك للأحداث وكيف يتعامل معها؟ ما هي مخاطر الانحراف عن المنهج القائم على العقل والحقائق، وما هي علامات المدرسة المنحرفة؟ كيف يمكن تحقيق الخشوع وتركيز الذهن في الصلاة ومواجهة الخيالات؟ ما علة تحريم الموسيقى من المنظور العرفاني؟ ما هو العقل الذي به نتقرب إلى الله وهل يقبل الزيادة والنقصان؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً قصصًا من واقع أهل البيت عليهم السلام والتجارب الشخصيّة للسيّد الطهراني ووالده العلأمة (رضوانُ اللهِ عليهما). كلمات مفتاحيّة: السلوك، المشيئة الإلهيّة، التقدير الإلهيّ، المرأة، الأسرة، الدعاء، المشاكل، الابتلاء، العقل، الانحراف، العلّامة الطباطبائي، الخشوع في الصلاة، تركيز الذهن، الذنب والخطأ، الشيطان، عالم الذر، الموسيقى، الإمام الغائب، العقل
السلوك إلى الله في مواجهة أقدار الحياة: تصحيح المفاهيم والإجابة عن التساؤلات
16الجواب: قد يكون لأحدهم فهمه الخاصّ به عن السلوك في بادئ الأمر، ويجيء متوقِّعًا حصوله على بعض الأمور، ثمّ يجد نفسه في مواجهة بعض الأمور؛ فهكذا يكون البعض؛ فقد يكون تصوّرهم ـ وكما قلتُ ـ بأنّ السلوك هو طريقٌ مليءٌ بالسعادة والبهجة والسرور وهو خالٍ من المشاكل، وعندما يرد الطريق يرى بأنّ هذه الأمور موجودةٌ هنا كما هي في غيرها من الأماكن من دون فرق، فيرى بأنّ التوقُّع الأوّلي لم يحصل. كما أنّ البعض يأتي من أجل تحقيق بعض الأهداف، وإذا بها لم تتحقّق له، فيحصل له البرود والخيبة. على أيّة حال، فهذا العالم هو عالم الامتحان والاختبار، وعلينا أن نطلب من الله حُسن العاقبة بكلّ جِدّية. إنَّ طلحة والزبير كانا ممّن قاتل إلى جنب النبيّ صلى الله عليه وآله في المعارك، غير أنّكم رأيتم كيف كانت عاقبتهما! فقد سلّوا سيوفهم بوجه أمير المؤمنين عليه السلام وأوجدوا تلك الفتنة. هنا يظهر معنى الكلام الذي قاله المرحوم العلاّمة عندما قال:على السالك أن يعرف بأنَّه وفي كلّ لحظةٍ تمرّ عليه هناك امتحانٌ، وليس امتحانًا واحدًا فقط، بل هناك امتحاناتٌ شائكةٌ يتصوّرها الإنسان مجرّد قضايا عابرة؛ هناك امتحانٌ لنا في كلّ لحظةٍ وفي كلّ سكنةٍ وفي كلّ تخيُّلٍ وفي كلّ حادثةٍ نواجهها.
قصة المكاشفة ووادي برهوت:
جاءني إلى المنزل أحد الأصدقاء قبل عدّة أيامٍ وقال: رأيتُ فلانًا ـ ويبدو أنّ ذلك كان في المكاشفة ـ يرتكب ذنبًا، إنَّني أعرف المشار إليه وأنا على اطّلاعٍ على عمله، وكان قد ارتكب ذنبًا. هذا في الوقت الذي لم يكن فيه بين الاثنين أيّة علاقة، ولم يرَ أحدهما الآخر ولو لمرّةٍ واحدةٍ في السنة، قال: رأيتُ فلانًا يذهب إلى مكّة، فأوقفته الملائكة فجأةً قرب اليمن، فقلتُ له: آمل ألّا يكون الأمر خطيرًا. ثمّ استدعيتُ ذلك الرجل وقلتُ له:اعلم يا عزيزي بأنّ طريق الله ليس فيهتساهل، ولدينا في الروايات بأنّ أرواح جميع المؤمنين تجتمع في وادي السلام في النجف، بينما تجتمع أرواح جميع الكفّار و ذوي الأرواح الكدِرة والمظلمة في وادي برهوت في اليمن. إنَّ هذا أمرٌ واقعيٌّ بيّنه الأئمة عليهم السلام؛ فعندما ارتكبتَ ذلك العمل، لم يكن لذلك أيّة معرفةٍ بك، وقد رأى بأنَّك قد أُلقيَ بك في وادي برهوت. أتلاحظون! إنَّ ما حصل هو عين الواقع من دون اختلافٍ ولو بمقدار رأس الإبرة، كان عين الواقع. إنَّ ما رآه من السفر إلى مكّة يعني سيره وسلوكه هذا الذي هو السير باتجاه الكعبة، وعندما قام بذلك العمل الباطل، أوقفته الملائكة فجأةً وذهبت به إلى برهوت. وإن يَتُب، فسيخرج من برهوت وسيعاود السير في طريقه ذاك، وإن ارتكب معصيةً، فسيُعاد به إلى برهوت. إنَّ هذا العالم هو عالم التكوين؛ ولنا فيه في كلّ لحظةٍ امتحانٌ، ولنا في كلّ لحظةٍ حركةٌ وتوقُّفٌ وسكونٌ، فعلينا أن ننتبه إلى هذا الأمر وهو: إنَّ ما نقوم به من عملٍ، لن يمضيَ سُدًى، وسيتمّ توقيف الإنسان، على أنّ المكان الذي سيؤخذ إليه معلومٌ؛ فهو إمّا أن يكون بهذا الاتجاه أو سيكون إلى مكانٍ آخر.
