
السلوك إلى الله في مواجهة أقدار الحياة: تصحيح المفاهيم والإجابة عن التساؤلات
الانحرافات الفكرية والأخلاقية وخطرها على المسيرة الروحية
كيف تتوافق المشيئة الإلهيّة والتقدير مع السير والسلوك إلى الله؟ هل يعني السلوك بالضرورة كثرة المشاكل أم انفراجها؟ ما الذي يميز نظرة السالك للأحداث وكيف يتعامل معها؟ ما هي مخاطر الانحراف عن المنهج القائم على العقل والحقائق، وما هي علامات المدرسة المنحرفة؟ كيف يمكن تحقيق الخشوع وتركيز الذهن في الصلاة ومواجهة الخيالات؟ ما علة تحريم الموسيقى من المنظور العرفاني؟ ما هو العقل الذي به نتقرب إلى الله وهل يقبل الزيادة والنقصان؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً قصصًا من واقع أهل البيت عليهم السلام والتجارب الشخصيّة للسيّد الطهراني ووالده العلأمة (رضوانُ اللهِ عليهما). كلمات مفتاحيّة: السلوك، المشيئة الإلهيّة، التقدير الإلهيّ، المرأة، الأسرة، الدعاء، المشاكل، الابتلاء، العقل، الانحراف، العلّامة الطباطبائي، الخشوع في الصلاة، تركيز الذهن، الذنب والخطأ، الشيطان، عالم الذر، الموسيقى، الإمام الغائب، العقل
السلوك إلى الله في مواجهة أقدار الحياة: تصحيح المفاهيم والإجابة عن التساؤلات
11السؤال الثاني: كيف أركّز ذهني وأتغلّب على العجلة؟
سؤال: ما الذي عليَّ فعله من أجل تركيز الذهن؟ إنَّ صبري وقدرة تحمُّلي قليلةٌ وأنا عجولةٌ، فما الذي أفعله لمعالجة ذلك؟
الجواب: هناك طرقٌ متعدّدةٌ من أجل المحافظة على تركيز الذهن؛ أفضلها هو أن يرى الإنسان حضور الله. سألني أحد الأصدقاء الليلة الماضية وقال: كيف يجب عليَّ أن أُصلِّي؟ فهل ينبغي عليَّ أن أُفكِّر بمعاني الكلمات أم أن أتوجّه إلى الله؟ وكيف يحصل مثلُ هذا التوجُّه؟. فقلتُ له: عندما دخلتَ بيتك، فهل شعرتَ بحضوري هذا أم لا؟ قال: نعم، شعرتُ به. قلتُ له: بغضّ النظر عن كوني أتحدّث أم لا، فالأمر الأول الذي حصل هو شعورك هذا الذي شعرتَ به بوجودي هنا؛ فستقوم بالأخذ بعين الاعتبار بعض المسائل المترتِّبة على حضوري هنا؛ فلن تقوم بأيّ عملٍ تريده، ولن ترفع صوتك عاليًا، ولن تظهر أمامي ـ وعلى سبيل المثال ـ بأيّ لباسٍ تشاء، فهناك متطلباتٌ خاصة. إنَّ مثل هذا الشعور يكون منفصلاً عمّا يمكن أن يُطرَح من كلام، فذلك في محلِّه. وفي الصلاة، على الإنسان أن يرى الله حاضراً في هذا المكان، فهل يستطيع أن يشتغل بأمورٍ أخرى من قبيل الطبخ وتنظيم البيت والكلام والحال هذه؟ إنَّ هذه الأمور منفصلةٌ عن موضوع الحضور الإلهيّ. إنَّ المحور الذي يرتكز عليه حالُ المُصلِّي هو الشعورُ بالحضور، وهو أن يرى نفسه مع الله في هذه اللحظة، على أنّ مثل هكذا شعورٍ يكون متلازمًا مع ذكر عباراتٍ من قبيل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، فتلك هي أمور تبيّن في قالب هذه العبارات، أمّا الموضوع الأساسي، فهو الشعورُ بالحضور. فعلى هذا الأساس يجب أن يُبنى تركيز الذهن؛ وهو الشعور بحضور الله. عندما يعزل الإنسان نفسه عن الناس المنشغلين بالكلام الذي لا فائدة منه. ولا يلزمه هنا أن يفكّر بأيّ شيء، فستكون تلك هي المرتبة الأولى من مراتب التركيز، على أنّ هناك مراتب أخرى له، ستكون في مرحلةٍ لاحقة لهذه المرحلة.
علاج العجلة
أمّا بشأن العجلة المُشار إليها في السؤال، فعلى الإنسان أن يعلم أنّ الأحداث التي تجري، الكثير منها ليس بأيدينا، وعليه أن يعلم أيضاً بأنَّنا جزءٌ من المشيئة الإلهيّة في عالم الخلق والتكوين، فليس من المعلوم تحقُّقُ كلِّ ما نريد بهذه السرعة. وسأضرب لكم مثالاً على ذلك: عندما أردت القدوم من قم إلى طهران ليلة البارحة، اتّصل بي بعض الأصدقاء واقترحوا أن يأتوا إلى قُم ويأخذوني إلى طهران، فقلتُ لهم: لا، سآتي بنفسي، فأصرّ أحدهم على القدوم واتفقنا على أن نلتقي في موقف السيّارات العمومي، فيأخذني معه إلى بيته، فجئتُ طبقًا لما اتفقنا عليه من موعدٍ وانتظرتُ سيارةً لأستقلّها، إلّا أنَّه لم يكن هناك ركّاب، والسيّارات لا تنطلق ما لم يكن هناك ركّاب، وفي هذه الأثناء جاءت حافلة، فصعدتُ فيها ولم أكن قد تأخّرتُ عن الموعد، فحصل أنّ الحافلة كانت بطيئةً في حركتها بحيث كانت تسبقها بقيّة السيارات، كما كان السائق يتوقّف كثيرًا من أجل أن ينزل راكبٌ أو يصعد غيره، وكنتُ أقول في نفسي بأنّ هذا المسكين سيأتي في الساعة التي اتفقنا عليها ولن يجدني، الأمر الذي يُوجِد للإنسان قلقًا واضطرابًا طبقًا لظواهر الأمور، ثمّ فكّرتُ وقلتُ: إنَّ ما حصل لم يكن بيدي، فلماذا القلق والاضطراب بسبب ذلك؟ فلتجرِ الأمور وفقًا لمسيرها العادي وسيرعى الله بمشيئته ذلك الرجل.
