
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
هل يجب تطبيق العدالة في العلاقة مع الله والناس والنفس؟ كيف طبّق أمير المؤمنين العدالة والتزم بها؟ كيف تعامل عليه السلام في حكومته مع أقربائه والمحيطين به؟ هل أقدم أمير المؤمنين على خطوة من الخطوات على أساس الظلم والجور؟ ما هو أسلوب معاملته عليه السلام لقاتله؟ كيف يكون الإمام عليّ عليه السلام قسيم الجنّة والنار؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
6بناءً على ذلك، فإنّ حال أئمّة المسلمين في أوج قوّتهم ـ من حيث العدالة ـ هي نفس حالهم في فترة الحرمان. فلم يكونوا يريدون الحكومة من أجل الحكومة، بل أرادوها لتطبيق العدل بين الناس، وقمع الظالم، وإيصال الحقّ إلى المظلوم، ودعوة الناس جميعًا إلى الله تعالى؛ فكانوا يجعلون الحكومة مقدّمةً لهذه الغايات.۱
نموذج من حكومة أمير المؤمنين عليه السلام وعدالته
إنّ قصّة عقيل وأمير المؤمنين عليه السّلام مشهورةٌ في جميع التواريخ؛ وهو نفسه عليه السلام يقول في نهج البلاغة:٢
«وَاللَه لَأن أبيتَ علَى حَسَكِ السَّعدانِ مُسَهَّدًا، وأُجَرَّ في الأغلالِ مُصَفَّدًا، أحَبُّ إلَيَّ مِن أن ألقَى اللَه ورَسولَهُ يومَ القيامةِ ظالِمًا لِبَعضِ العِبادِ، وغاصبًا لِشيءٍ مِن الحُطامِ! وكيفَ أظلِمُ أحدًا لِنَفسٍ يُسرِعُ إلَى البِلَى قُفولُها، ويَطولُ في الثَّرَى حُلولُها؟!»
يقول عليه السلام: «أقسم بالله لأن أقضي ليلتي ساهرًا على شَوْك السَّعدان الحادّ الأطراف (تلك الأشواك حادّة الأطراف التي هي طعام الإبل)، وأن يُقيّدوني بالسلاسل والأغلال، ويجرّوني على هذه الأشواك، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله وأنا ظالمٌ لبعض العباد في حقوقهم، أو غاصبٌ لشيءٍ من متاع الدنيا بالجور. وكيف أظلم أحدًا، لنفسٍ تُسرع إلى البلى والفناء، ويطول مكثها في القبر؟!»
«وَاللَه لَقَد رَأيتُ عَقيلاً وقَد أملَقَ، حَتَّى استَماحَني مِن بُرِّكُم صاعًا، ورَأيتُ صِبيانَهُ شُعثَ الشُّعورِ، غُبرَ الألوانِ مِن فَقرِهِم، كَأنَّما سُوِّدَت وُجوهُهُم بِالعِظلِمِ»
والله لقد رأيتُ أخي عقيلاً وقد أضرَّ بِهِ الفقر والفاقة، ورأيتُ أطفاله شُعث الشُعور وقد علا الغبار وجوههم من شدّة الفقر وتغيّرت ألوانهم، كأنّما سُوِّدت وجوههم بالنيلة؛ فجاء إليّ يطلب صاعًا٣ من قمحكم هذا.
«وعاوَدَني مُؤَكِّدًا، وكرَّرَ عَلَيَّ القَولَ مُرَدِّدًا، فَأصغَيتُ إليه سَمعي، فَظَنَّ أنّي أبيعُهُ ديني، وأتَّبِعُ قِيادَهُ مُفارِقًا طَريقَتي!»
ولم يأتِ مرّة واحدة، بل جاء مرّاتٍ عديدة، وكرّر قوله السابق وأكّده. وأنا كنتُ أصغي إليه وأستمع؛ فظنّ من إصغائي واستماعي أنّني راضٍ بأن أعطيَه صاعًا من قمح المسلمين هذا، وأنّني سأتخلّى عن طريقي ونهجي، وأتّبع طلبه وقوله!
«فَأحمَيتُ له حَديدَةً، ثُمَّ أدنَيتُها مِن جِسمِه لِيَعتَبِرَ بِها، فَضَجَّ ضَجيجَ ذي دَنَفٍ مِن ألَمِها، وكادَ أن يحتَرِقَ مِن ميسَمِها. فَقُلتُ له: ثَكلَتك الثَّواكِلُ يا عقيل! أ تَئِنُّ مِن حَديدَةٍ أحماها إنسانُها لِلَعِبِه، وتَجُرُّني إلى نارٍ سَجَرَها جَبّارُها لِغَضَبِه؟! أ تَئِنُّ مِن الأذَى ولا أئِنُّ مِن لَظىً؟!»
- معرفة المعاد، ج ٣، ص ۱۸٤:
«ولقد كان لأمير المؤمنين عليه السلام حكومة عجيبة، اقترنت فيها تلك القدرة والعظمة باللين والرفق والعدالة المميّزة، فكان عليه السلام يتغاضى عن جميع الجرائم التي كانت ترتكب بحقّه، وكان يتجاهل مصالحه الشخصيّة ولا يقيم لها وزنًا أمام مصالح النوع وحقوق الناس، وكان يُعرض عن المقاصد السيّئة والإهانات ويغضّ عنها طرفه.
لذا فإنّنا نري أفرادًا كمثل أحمد أمين المصريّ وابن عبد ربّه في «العقد الفريد» يقولان: "إنّ حكومة أمير المؤمنين كانت أشبه بالنبوّة منها بالحكومة، كما أشبه الأشخاص الذين رباهم حواريّي عيسي ابن مريم عليه السلام، ومن ثمّ فإنّ ذلك لم يكن أسلوبًا للحكم، وعلى أساس هذا الصدق والعدالة فقد كانت الغلبة لمعاوية في حرب صفّين".
بلي! يجب أن يقال لهذين ولأمثالهما ممّن يعدّون الحكومة سياسة مقارنة للمكر والخداع والكذب، ممّن لا يتورّعون عن ارتكاب أي جناية للوصول إليها: إنّ الحكومة الإلهيّة الحقّة هي حكومة الحقّ، وليس الهدف منها التسلّط على أعراض الناس وأموالهم ونفوسهم، وليس القصد منها التظاهر والصراع في ساحة الأماني وعبادة الفرد؛ بل الهدف منها غرس براعم العدالة وإرساؤها في قلوب الناس، وإحقاق الحقوق، وبالطبع فإنّ مثل هذه الحكومة الإلهيّة ينبغي أن تحصل على يد أمير المؤمنين ومن تربّوا وترعرعوا في مدرسته». - لمزيد من الاطّلاع على فقرات هذه الخطبة الشريفة التي أنشأها أمير المؤمنين عليه السلام، راجع: أنوار الملكوت، ج ٢، ص ۷٤.
- مكيال يعادل ثلاثة كيلوجرامات تقريبًا. المعرّب.
- معرفة المعاد، ج ٣، ص ۱۸٤:
