
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
هل يجب تطبيق العدالة في العلاقة مع الله والناس والنفس؟ كيف طبّق أمير المؤمنين العدالة والتزم بها؟ كيف تعامل عليه السلام في حكومته مع أقربائه والمحيطين به؟ هل أقدم أمير المؤمنين على خطوة من الخطوات على أساس الظلم والجور؟ ما هو أسلوب معاملته عليه السلام لقاتله؟ كيف يكون الإمام عليّ عليه السلام قسيم الجنّة والنار؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
5وأمّا أئمّة الشيعة فلم يكونوا كذلك؛ إذ لم تكن السلطة بأيديهم؛ ولذلك حصل للناس نفور من بني العبّاس، ومالوا إلى العلويّين ومدحوا أئمّتهم. ولكن، من غير المعلوم أنّه لو كانت السلطة قد وصلت إلى أيدي أئمّة الشيعة، هل كانوا سيحتفظون بهذه المحبوبيّة بين الناس أم لا؟». هذا هو عنوان بحثهم!۱
الردّ على اتّهامات أحمد أمين وغيره ضدّ الشيعة وأئمّتهم
هذا الكلام خاطئ جدًّا، وناشئ عن العناد واللجاج والعمى العلميّ؛ فتاريخ أئمّة الشيعة عليهم السلام أوضح من كلّ شيء، وقد كانت كلّ أنواع السلطة متاحةً لهم، ولكنّهم لم يرغبوا في الاستعانة بالسلطة الظالمة والجائرة؛ بل سعوا نحو السلطة العادلة.
فبعدما تمرّد الناس على بني أميّة وقضوا عليهم، وقتلوا مروان الحمار، وأبادوا أسرة بني أمّية بأكملها من العالم، أرادوا أن يبايعوا الإمام جعفر الصادق بالخلافة، لكنّه عليه السلام لم يقبل بها؛ لأسبابٍ سبق لي أن طرحتها بالتفصيل على بعض الرفقاء، حيث بيّنت هناك لماذا لم يقبل الإمام الصادق عليه السلام بهذه الخلافة.٢ فجاءوا ليبايعوه قائلين: «تعالَ، وكُن سلطانًا علينا!»، فلم يرضَ الإمام عليه السلام بذلك.٣ فكيف يُقال ـ والحال هذه ـ إنّ الإمكانيات لم تكن متاحة له عليه السلام؟!
وحينما أجبر المأمونُ الإمامَ الرضا على المجيء من المدينة ليجعله خليفة للمسلمين، ويبايعه هو نفسه بالخلافة، لماذا لم يقبل عليه السلام بذلك، مع أن كلّ السلطات كانت ستكون بيده؟! وبعد أن تنازل له بولاية العهد، أصبح الإمام عليه السلام وليّ عهد خليفة كافّة المسلمين في العالم، ودامت ولاية العهد هذه سنة وبضعة أشهر حتّى قتلوه شهيدًا٤و٥ فأيّة استفادة سيّئة استفادها الإمام الرضا عليه السلام من هذه السلطة؟ وأيّ استغلال فعله بهذه الأموال الوفيرة وهذه السلطة الواسعة، سوى إرسائه للعدل والقسط بين الناس؟!
لم يتصدَّ أمير المؤمنين عليه السلام لأمور الخلافة طيلة خمسة وعشرين عامًا بعد رحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله. فكان ينبغي لشخص عانى من الحرمان خلال هذه الخمسة وعشرين عامًا ـ بعدما بايعه الناس، وقبل الصديق والعدوّ بخلافته، واصطفوه للرئاسة٦ ـ أن يُنفّس عن كلّ العُقد التي تراكمت في قلبه خلال هذه الفترة الطويلة، وأن يُعوّض ما طاله فيها من حرمانٍ؛۷ وكان يتعيّن عليه في ذلك الحين أن يمدّ يده إلى أموال الناس وأراضيهم وممتلكاتهم، ويستولي على الولايات المختلفة. لكنّه حكم خمس سنوات، اقتصر فيها على لبس ثوبين باليين،۸ ولم يجعل مقرّ خلافته في دار الإمارة، بل في بيته الخاصّ الذي لم يحتو على بساط ولا فراش،٩ حيث كانوا يأتونه ببيت مال المسلمين من أكناف وأطراف العالم، فكان عليه السلام يقسّمه بالسويّة بين جميع المسلمين، وكان هو بنفسه كأحدهم، يأخذ بمقدار ما يأخذ كلّ مسلم منهم.۱۰
- ضحى الإسلام، ج ٣، ص ٢٣۱ و٢٣٢؛ ظهر الإسلام، ج ٤، ص ۸۱٥؛ فجر الإسلام، ص ٢۷٢ و٢۷٤.
- راجع: معرفة الإمام، ج ۱۷، ص ٢٦٩ ـ ٢۷۱.
- ينابيع المودّة، ج ٣، ص ۱٦۰؛ الفرج بعد الشدّة، ج ٢، ص ٣٤۸؛ الكافي، ج ۸، ص ٣٣۱.
- الكافي، ج ۱، ص ٤۸۸ ـ ٤٩۰ و٤٩٢.
- لمزيد من الاطّلاع على مكر المأمون وخداعه وإجباره للإمام الرضا عليه السلام على القبول بولاية العهد، راجع: معرفة الإمام، ج ۱٦ و۱۷، ص ۱٦٦.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ٣٦.
- لمزيد من الاطّلاع على خطبة أمير المؤمنين عليه السلام حول نسف السنن المخالفة بعد تقلّده للخلافة، راجع: معرفة الإمام، ج ۸، ص ٢٢٦.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۷۰:
«ألا وإنَّ إِمامَكم قَدِ اكتفى مِن دُنياهُ بِطِمريَهِ ومِن طُعمِه بِقُرصيه... !». - إرشاد القلوب، ج ۱، ص ۱٥۷:
«قالَ سوَيدُ بنُ غَفَلَةَ: دَخَلتُ عَلي أمير المُؤمِنينَ عليه السّلام بَعدَ ما بويعَ بِالخِلافَةِ وهو جالِسٌ عَلَى حَصيرٍ صَغيرٍ لَيسَ في البَيتِ غَيرُهُ، فَقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ بيَدِكَ بَيتُ المالِ وستُ أرى في بَيتِكَ شَيئًا مِمّا يَحتاجُ إلَيهِ البَيتُ! فَقالَ عليه السّلام: "يا ابنَ غَفَلَةَ! إنَ اللَّبيبَ [العاقِلَ] لا يَتَأثَّثُ في دارِ النُّقلَةِ، ولنا دارًا قَد نَقَلنا إلَيها خَيرَ مَتاعِنا، وإنّا عَن قَليلٍ إلَيها صائِرونَ"». - الكافي، ج ۸، ص ۱۸٢:
«عن محمّدِ بن مسلمٍ، عن أبي عبدِالله عليه السّلام قال:
لَمّا وَلِيَ عَلِيٌّ عليه السّلام، صَعِدَ المِنبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عَلَيهِ، ثُمَّ قالَ: ”إنّي وَاللهِ لا أرزَؤُكُم مِن فَيئِكُم دِرهَمًا ما قامَ لِي عِذقٌ بِيَثرِبَ، فَليَصدُقكُم أنفُسُكُم، أ فَتَرَونِي مانِعًا نَفسِي، ومُعطِيَكُم!“ قالَ: فَقامَ إلَيهِ عَقِيلٌ فَقالَ لَهُ: ”وَاللهِ لَتَجعَلَنِّي وأسوَدَ بِالمَدِينَةِ سَواءً!“ فَقالَ: ”اِجلِس أ ما كانَ هاهُنا أحَدٌ يَتَكَلَّمُ غَيرُكَ؟! وما فَضلُكَ عَلَيهِ إلّا بِسابِقَةٍ أو بِتَقوَى!“»
