
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
هل يجب تطبيق العدالة في العلاقة مع الله والناس والنفس؟ كيف طبّق أمير المؤمنين العدالة والتزم بها؟ كيف تعامل عليه السلام في حكومته مع أقربائه والمحيطين به؟ هل أقدم أمير المؤمنين على خطوة من الخطوات على أساس الظلم والجور؟ ما هو أسلوب معاملته عليه السلام لقاتله؟ كيف يكون الإمام عليّ عليه السلام قسيم الجنّة والنار؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
15يا عليّ، ستُلقى مفاتيحُ الجنّة والنار يوم القيامة في حِجرك، وستُقسّم النارَ والجنّةَ على أساس ميزان العدل والإنصاف ومقدار ولايتك ومحبّتك؛ فكلّ من يكون قريبًا من مقامك فهو من أهل الجنّة، وكلّ من يكون بعيدًا عنه فهو من أهل النار؛ وهذا هو الميزان الذي وهبك الله العليّ الأعلى إيّاه.
حينئذٍ يا عليّ، سننهض أنا وأنت، فأمسكُ أنا بعرش الله وعرش الرحمة، وتمسك أنت بحُجزتي،۱ ويُمسك أهلُ بيتك بحجزتك، ويمسك الشيعةُ كلّهم بحجزة أهل بيتك.“
فقلت: يا رسول الله! هل سيدخلون حينئذٍ الجنّة بأجمعهم؟
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ثلاث مرّات: ”إي وربِّ الكعبة! إي وربِّ الكعبة! نعم، سيدخلون حينئذٍ الجنّة بأسرهم. فالشيعة والمحبّين الذين تمسّكوا بأهل بيتك، وأهل بيتك الذين تمسّكوا بك، وأنت الذي تمسّكت بي، وأنا الذي تمسّكت برحمة الله وعرشه سندخل بأجمعنا الجنّة بلطفه تعالى!“»
كانت هذه آخر عبارة من الحديث الذي ذكره لي أمير المؤمنين عليه السلام.٢
وصيّة أمير المؤمنين عليه السّلام بقاتله
أُغمي على أمير المؤمنين عليه السلام مرّة أخرى؛ وبعد لحظاتٍ، فتح عينيه، حيث كان الإمام الحسن عليه السلام قد أحضر له إناءً من لبن، فأخذه عليه السلام ويده المباركة ترتجف، فشرب جرعةً؛ ثمّ قال للإمام الحسن عليه السلام [ما معناه]:
خُذ هذا اللبن لأسيرك؛ فهو أسيرٌ في أيديكم، فعاملوه بالرفق والمداراة! لقد ضربني ضربةً واحدة، فلا يمكنكم أن تضربوه إلّا ضربةً واحدة؛ إيّاكم أن تُمثّلوا به (تقطعوا أذنه ويده وعينه ورجله ولسانه)! وإيّاكم أن تحرقوه [حيًّا]!٣
سمعتُ من حبيبي النبيّ أنّه قال: «إنّ الله يكره المُثْلَة ولو بالكلب العقور!». يا حسن! أطعمه ممّا تأكل، واسقه ممّا تشرب!٤
فردّ الإمام الحسن عليه السلام قائلاً [ما مضمونه]:
أبتاه! هذا الملعون، أشقى [الأوّلين وأشقى] الآخرين، قد قتلك، وأحلّ المصيبة بالمؤمنين جميعًا، وأيتم بيوت الكوفة، وشرّد الأطفال اليتامى والنساء الأرامل وجوّعهم، وألبسنا ثياب السواد والعزاء؛ وأنت مع ذلك كلّه توصي به باستمرار!
فقال عليه السلام [ما معناه]:
يا بُنيَّ حسن! ألا تعلم أنّنا أهل بيت الرحمة، ونحن خاضعون للعدل، ولا ينبغي لنا أن نتعدّاه!٥
- الحُجزة موضع شد الإزار من الوسط. المعرّب.
- الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، ص ۱٣٢ ـ ۱٣٥، مع اختلاف يسير.
- معرفة المعاد، ج ٤، ص ٩٩:
«ورد في الرسالة ٤۷ من «نهج البلاغة» ج ٣، ص ۷۷، طبعة محمّد عبده مصر أنّه عليه السلام قال في وصاياه: "انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربةً بضربة، ولا يمثَّل بالرجل، فإنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور". ونقله بهذا اللفظ في «بحار الأنوار» ج ٩، ص ٦٦٣ عن «نهج البلاغة»؛ وفي ص ٦٦۰ عن «مناقب الخوارزميّ». وأورد في «تاريخ الطبريّ» ج ٥، ص ۱٤۸، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم: «و قد كان عليّ نهى الحسن عن المثلة وقال: "يا بني عبد المطلّب لا ألفينّكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون: قُتل أمير المؤمنين، قُتل أمير المؤمنين. لا يقتلنّ إلّا قاتلي. انظر يا حسن إن أنا متُّ من ضربته هذه فاضربه ضربةً بضربة ولا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وسلّم يقول: إيّاكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور"». وأورد ابن الأثير في «الكامل» ج ٢، ص ٣٩۱ عين هذا الحديث». - بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢۸۸، نقلاً عن أبي الحسن البكريّ في مقتل أمير المؤمنين عليه السلام بإسناده عن لوط بن يحيى عن مشايخه.
- بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢۸۷:
«نَعَمْ يَا بُنَيَّ، نَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَزْدَادُ عَلَى الْمُذْنِبِ إِلَيْنَا إِلَّا كَرَمًا وَعَفْوًا؛ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ مِنْ شِيمَتِنَا لَا مِنْ شِيمَتِهِ». المعرّب
