
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
هل يجب تطبيق العدالة في العلاقة مع الله والناس والنفس؟ كيف طبّق أمير المؤمنين العدالة والتزم بها؟ كيف تعامل عليه السلام في حكومته مع أقربائه والمحيطين به؟ هل أقدم أمير المؤمنين على خطوة من الخطوات على أساس الظلم والجور؟ ما هو أسلوب معاملته عليه السلام لقاتله؟ كيف يكون الإمام عليّ عليه السلام قسيم الجنّة والنار؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران.
أمير المؤمنين عليه السلام ميزان العدالة
12يا بُنيّ حسن! إن بقيتُ حيًّا من ضربتي هذه وتعافيتُ، فأنا أعلم بما سأعمل؛ إن شئتُ اقتصصتُ وإن شئتُ عفوتُ، وطبعًا سأعفو. وإن رحلتُ من ضربتي هذه إلى عالم الآخرة، فأنت وليّ دمي، إن شئتَ فاقتصّ وإن شئتَ فاعفُ، والله يحبّ العافين.۱
ولهذا، لم يجرؤ أحدٌ على قتل ابن ملجم في حياة أمير المؤمنين، لأنّه عليه السلام لم يأذن بذلك. فكان الناس مجتمعين ويصرخون مطالبين بابن ملجم، ففتح الإمام الحسن عليه السلام الباب، وبلّغ رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الناس مرّاتٍ عديدة، فعلموا أنّ ابن ملجم لن يُقتل ما دام أمير المؤمنين حيًّا؛ ولكنّهم أرادوا مع ذلك لقاءه عليه السلام.
فدارُ أمير المؤمنين عليه السلام التي كانت حتّى الأمس مفتوحةً، وكان من يشاء من الناس يدخل إليها بِحُريّة ويلتقي به عليه السلام،٢ أُغلِق بابُها منذ صباح هذا اليوم،٣ ولم يعُد عليه السلام يأذن باللقاء، حيث كان حاله يسوء ساعةً بعد ساعة، ولم يكن يتحمّل اللقاء.
الإمام عليّ عليه السلام قسيم الجنّة والنار
يقول الأصبغ بن نُباتة:٤
كنتُ مجتمعًا مع الحارث الهمداني وسُوَيد بن غَفَلَة وجماعةٍ أخرى من الأصحاب حول دار أمير المؤمنين، نريد أن نستأذن لنراه عليه السلام مرّة أخرى.
(كان هؤلاء من أعاظم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كان الأصبغ بن نباتة من الشيعة الخُلّص ومن رواة الأحاديث ومن الفقهاء).
فجأةً، سمعنا صوت نحيبٍ يرتفع من داخل دار أمير المؤمنين عليه السلام، فارتفعت أصوات كافّة الناس الذين كانوا خارج الباب بالنحيب والعويل.
ففتح الإمام الحسن عليه السلام الباب وقال: «أيّها الناس، تفرّقوا! إنّ أبي ليس في حالٍ تسمح له باللقاء، ولم يعد لديكم إذنٌ باللقاء، رحمكم الله، تفرّقوا!»
ذهب كلّ الناس إلّا أنا لم أذهب؛ إذ مكثتُ ساعةً، ثمّ مرّةً أخرى، سمعتُ فجأةً صوت بكاءٍ ونحيب يرتفع، فرفعتُ صوتي بالبكاء أيضًا. جاء الإمام الحسن عليه السلام وقال: «يا أصبغ، لِمَ لم تذهب؟! ألم يأمركم أبي بالمغادرة؟!» قلتُ: واللهِ إنّ قدمي لا تقوى على الذهاب، ونفسي لا تستطيع ذلك؛ فإلى أين أذهب قبل أن أرى إمامي؟!
- الكافي، ج ١، ص ٢٩٩:
«... ”إن أبقَ فَأنا وَليُّ دَمي، وإن أفنَ فالفَناءُ ميعادي، وإن أعفُ فالعَفوُ لي قُربةٌ ولَكُم حَسَنةٌ، فاعفوا واصفَحوا... .“ ثُمّ أقبَلَ عَلى الحَسَنِ عليه السّلام فَقالَ: ”يا بُنَيَّ! ضَربَةً مَكانَ ضَربَةٍ ولا تَأثَم!“»
الطبقات الكبريٰ، ج ٣، ص ٢٥:
«فقال عليّ عليه السّلام: ”إنّه أسيرٌ فأحسِنوا نُزُلَه وأكرِموا مَثواه! فإن بَقيتُ قَتَلتُ أو عَفَوتُ؛ وإن مِتُّ فاقتُلوه قَتلَتي ولا تَعتَدوا؛ ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعتَدِينَ﴾*!“»
* سورة البقرة، الآية ١٩٠؛ سورة المائدة، الآية ٨٧. - بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٩٠:
«قال محمّدُ بنُ الحَنَفيةِ، رضي الله عنه: ”و بِتنا ليلةَ عِشرينَ مِن شهرِ رمضانَ مع أبي وقد نزل السمُّ إلى قَدَمَيه، وكان يصلّي تلك الليلةَ من جلوسٍ، ولم يزَل يوصينا بوصاياه ويعَزّينا عن نَفسه ويخبِرُنا بأمره وتبيانِه إلى حين طلوع الفجر؛ فلمّا أصبح، استأذن النّاسُ عليه، فأذِن لهم بالدخول، فدخَلوا عليه ... .“». - أي يوم العشرين من شهر رمضان المبارك. المحقّق.
- هذه الرواية منقولة هنا بالمعنى، فاقتضى التنويه. المعرّب.
- الكافي، ج ١، ص ٢٩٩:
