
اختلاف مراتب الشيعة بحسب مراتب معرفتهم بالله والأئمة
المعرفة الحقيقية دليل إلى الله وموجبة للانقطاع إليه
ما هي المعرفة الحقيقية الدالة على الله التي ذكرها الإمام السجاد؟ وكيف تختلف عن العلم الظاهري؟ تبيّن المحاضرة أثر تفاوت درجات هذه المعرفة القلبية في مراتب الشيعة وقربهم من الله والأئمة، وكيف تتجلّى في إدراك حقائق كالرحمة الإلهيّة وحضور الإمام. كما تناقش اتهام جميع العرفاء بالانحراف ظلمًا، مؤكّدة أهميّة طلب المعرفة الحقّة من مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
اختلاف مراتب الشيعة بحسب مراتب معرفتهم بالله والأئمة
3لو افترضنا أنّ فردًا متمكن جدًّا من المسائل الفقهيّة، يعرف الأحكام، ويميّز مراجع وأدلّة المسائل، وقد درس أقوال الفقهاء جيّدًا، ومطّلع على المسار التاريخي للفقه، وكيف تطورت هذه المسألة في تاريخ الفقه، وما هي الفتاوى التي صدرت بشأنها؟ نقضًا وإبرامًا، نفيًا وإثباتًا، ويعرف القائلين بها والفقهاء الذين تناولوها بشكل كامل، فمهما كان متضلّعًا، إذا كان جاهلاً بالمسائل الفلسفيّة والحِكميّة، فإنه لا يستطيع إبداء رأيه في المسائل الفلسفيّة؛ لأنه لم يدرسها.
فالمسائل الفلسفيّة والحِكميّة لها قوانين وقواعد خاصّة بها، والمسائل الفقهيّة لها أيضًا قوانين وقواعد خاصّة بها. وإن كان ذلك الفقه الحقيقيّ والشرع الواقعيّ والمسائل الواقعيّة والحقيقيّة، فإنّ الاطلاع عليها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمسائل الفلسفيّة والمسائل العرفانيّة قطعًا؛ ليس هذا الفقه الاصطلاحي المعاصر، لا! ذلك الفقيه الذي يمتلك ذخيرة قيّمة من الفلسفة والحكمة، مثل المرحوم العلامة الطباطبائي، والمرحوم القاضي، والمرحوم العلامة، وأولياء الله، والآخوند الملا حسين قلي الهمداني، فإن استنباطهم يختلف كثيرًا عن استنباط الذين لا اطلاع لهم على المسائل الفلسفيّة والحِكميّة أو التفسيريّة، يختلف كثيرًا. ورؤيتهم للمسائل الإسلامية تختلف كثيرًا. نظرتهم إلى المباني والكليّات الفقهيّة والمدارك والملاكات متميّزة ومختلفة تمامًا. وهذا أمر بديهي وواضح جدًّا.
وبناءً على ذلك، فإنّ من لديه خبرة وتضلعًا واطلاعًا على المسائل والأحكام الفقهيّة، لو جلس خمسين عامًا أمام حكيم وفيلسوف، فلن يستطيع أن يطّلع على المسائل الفلسفيّة. لن يفهم ما هي قاعدة العليّة؟ لن يستطيع إدراك القوّة والفعل. لن يستطيع فهم أصالة الوجود والماهيّة. لن يستطيع إدراك وحدة الوجود، لا يستطيع.
قصّة السيد مهدي الروحانيّ مع العلامة ومسألة وحدة الوجود
في وقت سابق، ذات يوم ـ رحم الله المرحوم السيّد مهدي الروحاني، كان من العلماء الكبار جدًّا والزهّاد والمتقّين، المرحوم السيد مهدي الروحاني كان هنا في قم، كان رجلاً عالمًا، كان ذا علم، وكان متضلعًا جدًا في المسائل الفقهيّة والأصوليّة. عندما أردتُ أن أدرس الكفاية ـ رحم الله ـ المرحوم الشيخ مرتضى الحائري، رآني ذات يوم وقال لي: ماذا تدرس؟ قلتُ: انتهيت من الرسائل وأريد أن أدرس الكفاية. قال: عند من تريد أن تدرس؟ قلتُ: لم أختر أستاذًا لنفسي بعد، لم أحدّد. فذكر اسم اثنين أو ثلاثة وقال: اذهب وادرس عندهم. ولكن لم أوفّق للدراسة عند أيّ منهم. أحدهم كان المرحوم السيّد مهدي الروحاني. وذات يوم، جاء لزيارة المرحوم العلامة هنا في قم، وكنتُ حاضرًا في ذلك المجلس. وكان رجلاً متواضعًا جدًا، كان رجلاً بسيطًا لا يهتمّ بالمظاهر. كان قد بدأ درسًا للبحث الخارج ثمّ توقف. قال له المرحوم العلامة: يا سيد، لماذا توقّف درسكم؟ قال بلهجته القمّية: يا سيّد، بدأنا الدرس ولم يأتِ أحد، فأوقفناه نحن أيضًا، أوقفناه. كان رجلاً بسيطًا جدًا، ولكنه كان فاضلاً! فاضلاً ومجتهدًا وعالمًا.
