
اختلاف مراتب الشيعة بحسب مراتب معرفتهم بالله والأئمة
المعرفة الحقيقية دليل إلى الله وموجبة للانقطاع إليه
ما هي المعرفة الحقيقية الدالة على الله التي ذكرها الإمام السجاد؟ وكيف تختلف عن العلم الظاهري؟ تبيّن المحاضرة أثر تفاوت درجات هذه المعرفة القلبية في مراتب الشيعة وقربهم من الله والأئمة، وكيف تتجلّى في إدراك حقائق كالرحمة الإلهيّة وحضور الإمام. كما تناقش اتهام جميع العرفاء بالانحراف ظلمًا، مؤكّدة أهميّة طلب المعرفة الحقّة من مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
اختلاف مراتب الشيعة بحسب مراتب معرفتهم بالله والأئمة
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ
وصلَّى اللهُ عَلَى سيّدِنا ونبيِّنا أبي القاسِمِ مُحَمَّدٍ
وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ واللَّعنةُ عَلَى أعدائِهم أجمَعينَ
«مَعْرِفَتي يا مَوْلايَ دَليلي عَلَيْكَ، وَحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيْكَ، وَأَنَا واثِقٌ مِنْ دَليلي بِدَلالَتِكَ، وَساكِنٌ مِنْ شَفيعي إلى شَفاعَتِكَ.»
يقول الإمام عليه السلام معرفتي بك يا مولاي وسيدي هي دليلي ومرشدي إليك.
تحدثتُ ليلة أمس عن هذه الفقرة وقلتُ إنّنا لن نواصل البحث فيها، ولكنني فكّرتُ اليوم في نفسي ورأيتُ أنه ربما لا تزال هناك بعض النقاط المتبقّية، فشعرتُ بالأسف أن لا أذكر التتمّة التي خطرت ببالي حول هذه الفقرة. وكان سبب ذلك أيضًا أنني تذكّرتُ مجلسًا كان فيه المرحوم العلامة والمرحوم السيد الحداد رحمهما الله، وجرى الحديث فيه عن هذه القضيّة نفسها، وبقيت بعض النقاط من ذلك المجلس في ذهني، فشعرتُ بالأسف مرّة أخرى أن لا أعرضها على الرفقاء. لذا، إن حدث خلف للوعد بعدم مواصلة الحديث، فأسأل الله أن يكون خلفًا موجّهًا.
سأعرض النقاط التي بدت لي حول هذه المسألة، وفي هذا المجلس نفسه سننتقل إلى الفقرة التالية التي تمثل عالمًا عجيبًا، والخروج منه يتطلّب رجلاً [قويًا] بحق: «وَحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيْكَ». كم أتمّ الإمام السجاد عليه السلام الحجة في هذا الكلام!
ليست كل معرفة دليلاً على الحقيقة
إن كان الرفقاء يذكروون، فقد جرى الحديث في الليالي الماضية عن المعرفة، وقيل إنّه ليس كلّ معرفة دليلاً على الحقيقة. المعرفة بمعنى الوصول إلى حقيقة واقع المعروف والمُدرَك، هي الدليل، وهي التي ترشد الإنسان إلى ذلك المعروف وإلى ما يسعى للوصول إليه وتوصله إليه.
من يريد أن يتعرّف على عالم بالرياضيّات، لا يمكنه أن يدرس الفقه والأصول وبهذه الكيفيّة تكون له معرفة به؛ بل يجب أن يذهب ليدرس الرياضيّات. ولا يمكنه أن يدرس الكيمياء ومن هذا المنطلق يستطيع أن يطّلع على معلوماته. الرياضيّات فنّ وعلم، والعالم به يقتضي أن يكون أستاذًا وخبيرًا في هذا الفن.
الآن، لو كان الإنسان جاهلاً بمسائل الرياضيات، وكانت معلوماته ومعارفه في حدود عمليات الضرب والقسمة العادية فقط، فلو جلس مع هذا العالم والخبير بالرياضيات مئة عام، فلن يستطيع أن يحصل على أدنى اطلاع على ما في ضميره؛ لأنه لا يملك المعرفة بفنّه. المعلومات التي يمتلكها ذلك الإنسان قد تكون ـ لنفترض أنه أستاذ في فنون كثيرة ـ في تلك المسائل التي لا علاقة لها بالرياضيّات. قد يكون قد عمل كثيرًا في الفقه وأتقنه. قد يكون قد بذل جهدًا كبيرًا في التفسير. قد يكون مؤرّخًا عميقًا جدًّا ومتضلّعًا، ولكنّ هذا الإنسان لو جلس مئة عام أمام عالم رياضيّات، فلن يستطيع أن يطّلع على معلوماته، لا يستطيع.
