
معرفة الله متوقفة على تحقق السنخية بين العبد والله
كيف تمنع الأنانيّةُ المعرفةَ الإلهيّة؟
كيف يمكن للعبد المذنب أن يناجي الله سبحانه وتعالى؟ ما هي السنخيّة المطلوبة بين المخلوق والخالق لتحقيق المعرفة والمناجاة الحقيقيّة؟ ولماذا يُعتبر التواضع الحقيقيّ، كتواضع الأولياء أمثال السيّد الحداد والسيّد القاضي رضوان الله عليهما، شرطًا أساسيًّا لهذه السنخيّة، بينما تقف الأنانيّة والكبرياء، سواء تجلّت في بناء الأصنام الحجريّة كأهرامات الفراعنة أو الأصنام المعنويّة في نفوس مدّعي العلم، حاجزًا منيعًا لا يكسره إلا مطرقة الموت؟ وكيف تكون زيارة الآثار التاريخيّة سبيلًا للعبرة لا للمباهاة القوميّة الزائفة؟ تجيبك هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه عن هذه التساؤلات العميقة في مسير السلوك إلى الله.
معرفة الله متوقفة على تحقق السنخية بين العبد والله
8قصة زيارة أهرامات مصر وقبر ابن الفارض: عبرة الفرعونية والبحث عن العارف
أهرامات مصر، كم من الناس ماتوا وقدّموا أرواحهم في بناء هذه الأهرامات. فهذا الهرم بالقدر الذي ارتفع به إلى الأعلى، نزل بنفس القدر في الأرض. أي عندما يدخل الإنسان إلى الأهرامات، يجب عليه النزول إلى باطن الأرض بهذا الارتفاع. وقد كشفت هناك حديثًا قاعات وممرّات وغرف وأماكن واسعة، والمكان الذي يوضع فيه فرعون نفسه. كلّ هذا من أحجار كبيرة ذات قطعة واحدة! لماذا؟ هل لأنّهم يعلمون أنّهم سيموتون ويفنون يومًا ما؟ لا، بل يجب أن أبني هذا لتدرك الأجيال القادمة أيّة قوّةٍ كانت في هذه الدنيا؟ أنا! وأيُّ "أنا" كانت تحكم! يجب أنْ يدركوا عظمة نفسي ومُلكي وحكومتي وسلطنتي! فلو دفنوني في مترٍ من التراب، لن يعرف أحدٌ شيئًا، وأنّ هذا الفرعون قال في الدنيا ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾۱. لقد سَخّرَ، استعبدَ، استحمرَ! ولم يعرفه أحد! فقال: الآن يجب أن أبني بناءً، يجعل الناس من بعدي يدركون عظمتي زمان حكمي، وأيّة شخصيّة كانت هذه! في سفرةٍ كنتُ برفقة أحد الأصدقاء، فذهبنا إلى هذه [الأهرامات]، لم نَبِت هناك سوى ليلة واحدة، حوالي ثماني عشرة ساعة. ذهبتُ إلى هناك وقلت لفلان: لا أريد الدخول، أريد فقط أن أجلس. كان ذلك قبل حوالي خمس أو ست سنوات، حيث توقّفنا في الطريق ليلةً واحدةً في القاهرة، فاغتنمنا الفرصة وذهبنا أوّلًا لزيارة السيّدة زينب عليها السلام، لأنّه بناءً على الخبر، فإنّ السيّدة زينب مدفونة هناك. ثم ذهبنا لزيارة قبر ابن الفارض (رضوان الله عليه) وكان عجيبًا جدًّا أنّني في طفولتي، في مجلسٍ ما، في مكان ما، كنت مع المرحوم العلاّمة، وكان عمري حوالي عشر سنوات، فكان أحد الأقارب يتحدّث أنّني ذهبت لزيارة قبر ابن الفارض في مكان يُدعى القلعة! بقي هذا في ذهني منذ ذلك الوقت ولسنوات. فقلت لهذا الرفيق فلنأخذ سيّارة أجرة ونذهب إلى قبره. فذهبنا وبعد زيارة السيّدة زينب عليها السلام، قلنا: إلى القلعة. فأخذونا إلى مكان آخر، قلنا ليس هذا هو المكان المطلوب. كلّ من سألناه عن ابن الفارض، عارف مصر، قالوا: لا نعرفه أصلًا ولا علم لنا به! لم يكونوا يعرفونه. فقلت: كيف لا تعرفون وأنتم مصريّون ونحن الإيرانيّون نعرف من هم مفاخركم؟! كيف لا تعرفون أنتم؟! خلاصة القول، كنّا واقفين في الباحة وخلق الله قد اجتمعوا حولنا يتساءلون ماذا يريد هؤلاء؟! فجأةً رأينا شيخًا كبيرًا جاء وقال: ما الأمر؟ قلنا: نريد القلعة، قبر ابن الفارض. قال: أنا أعرف أين هو. كان أمرًا عجيبًا جدًّا، قلنا: حتمًا هو نفسه أرسله. فقال لسيّارة الأجرة أن تتقدّم، وفهمنا أنّه يبعد كيلومترين عن المكان الذي كنّا واقفين فيه، في بداية مقبرة القاهرة هناك. وأحضرنا السائق إلى هناك ورأينا أنّ الباب مغلق، فنظرت من شقّ الباب فرأيت حجرًا وبناءً مكتوبًا عليه: هذا قبر سلطان العاشقين. ولكن قالوا إنّه يفتح ظهرًا. فقلت لابن الفارض: لو حدث ما حدث، لن أغادر من هنا حتّى أدخل. ليس لدينا وقت سوى حتّى الرابعة بعد الظهر. أنت تعلم، أنا هنا حتّى أدخل. فقال رفيقنا: لنذهب الآن لنرى الأهرامات في الساعات الثلاث أو الأربع المتاحة. فذهبنا، وبالفعل كان المكان واسعًا جدًّا، هناك يجب أنْ يأخذ الإنسان العبرة، لا في تخت جمشيد الذي لا يوجد فيه شيء. قلت: أريد أن أجلس هنا بجانبها. قال: لا، تعال ندخل. وبالفعل دخلنا، ماذا كان هناك! وماذا حلّ بنا! نصف ساعة ونحن ننظر إلى هذه الأهرامات والأحجار! كيف حملوا هذه الأحجار؟! أيّة قوة كانت هذه؟! كم بذلوا من جهد؟! وفي النهاية، لماذا؟! كنت أفكّر باستمرار في نفسي!
- سورة النازعات (۷٩) الآية ٢٤.
