
معرفة الله متوقفة على تحقق السنخية بين العبد والله
كيف تمنع الأنانيّةُ المعرفةَ الإلهيّة؟
كيف يمكن للعبد المذنب أن يناجي الله سبحانه وتعالى؟ ما هي السنخيّة المطلوبة بين المخلوق والخالق لتحقيق المعرفة والمناجاة الحقيقيّة؟ ولماذا يُعتبر التواضع الحقيقيّ، كتواضع الأولياء أمثال السيّد الحداد والسيّد القاضي رضوان الله عليهما، شرطًا أساسيًّا لهذه السنخيّة، بينما تقف الأنانيّة والكبرياء، سواء تجلّت في بناء الأصنام الحجريّة كأهرامات الفراعنة أو الأصنام المعنويّة في نفوس مدّعي العلم، حاجزًا منيعًا لا يكسره إلا مطرقة الموت؟ وكيف تكون زيارة الآثار التاريخيّة سبيلًا للعبرة لا للمباهاة القوميّة الزائفة؟ تجيبك هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه عن هذه التساؤلات العميقة في مسير السلوك إلى الله.
معرفة الله متوقفة على تحقق السنخية بين العبد والله
3التزام السيد الحداد بالعبادة والزيارة
كان يصلّي صلاة الصبح كلّ يوم في حرم سيّد الشهداء عليه السلام، ما عدا الأوقات التي يكون لديه ضيوف، ومثلًا كان المرحوم العلّامة قد ذهب إلى هناك للزيارة، كان يصلّي صلاة الصبح عادةً في الحرم في سائر الأوقات، أو إذا لم يصلِّ هناك، كان يتشرّف بزيارة الحرم بعد الصلاة. نادرًا جدًّا ما كان يحدث أنْ يكون مريضًا أو يطرأ أمر يمنعه من التشرّف بالحرم بين الطلوعين. ثمّ يأتي إلى حرم حضرة أبي الفضل عليه السلام، ثمّ يأتي إلى المنزل. كان هذا عمله كلّ يوم. أولياء الله يجب أن يكونوا دائمًا في غربة، والمثير للاهتمام أنّهم يجب أن يكونوا في غربة حتّى من أمثالنا! العوام لا شأن لهم، فهم لهم حساباتهم الخاصّة، لا سمح الله أن يكون هؤلاء في ظلم وغربة من أمثالنا! فهذا صعبٌ جدًّا، أمّا العوام فلا، ليس لديهم مشكلة، ولكنْ إذا كان الأمر على أنْ يُتجاهَل عن علمٍ، فهذا من الموارد التي لا تسكت فيها عصا جبّاريّة الله وقهّاريّته، وسيأتي تأديبُ الله وسيأخذُ الظالمين.
كان قد جاء لزيارة علي بن موسى الرضا عليهما السلام، ثم لزيارة الرفقاء. وكان الرفقاء يصرّون كثيرًا على أنْ يأتي إلى إيران، وكانوا يريدون إبقاءه، ثمّ اعتذر بأنّ الوضع هناك يضطرب ولا يمكنني، وخلاصة القول أنّ وضعه الداخلي وأقاربه كانوا متعلّقين به، ولم يكن ممكنًا له البقاء في إيران، فعاد.
قصة سفر السيد الحداد إلى أصفهان: بين محبة الرفقاء وزهد العارف
أتذكّر في إحدى هذه السَفْرات التي كنّا في خدمته، ذهبنا إلى أصفهان. هناك كان الرفقاء والأصدقاء الأصفهانيّون يريدون التعبير عن محبّتهم له. وفي أصفهان أماكن تاريخيّة وأثريّة متنوّعة، مضى عليها زمان، ولها آثارها وخصوصيّاتها. فكنّا نخرج ويأخذوننا في بعض الأيّام إلى مسجد الشاه وعالي قابو، ومكان آخر، ساحةٌ كبيرة لا أدري، يسمّونها چهل سُتُون (الأربعين عمودًا)، ما اسمها؟ چهل ستون؟ أتذكّر أنّنا ذهبنا إلى هناك، وكان السيّد الحدّاد رحمه الله ينظر ويتفرّج. فكانوا يقولون هذا ليس كل المكان، يجب أن نصعد للأعلى. فقال: حسنًا، أعلاه مثل ذاك أيضًا. حسنًا، ماذا يقول هذا الرجل العجوز المسكين؟ حسنًا، لو ركّبتموه طائرة هليكوبتر لكان أفضل لتأخذوه فوق أصفهان ويشاهدها من الأعلى! كانوا يريدون التعبير عن المحبّة، مساكين! ذهبنا إلى مسجد الشاه، ومسجد الشيخ لطف الله، ومنار جنبان (المنارة المتحرّكة)، لكن ليس إلى أعلاها، بل هنا في الأسفل! طبعًا أنا صعدت إلى الأعلى، كان عمري اثني عشر عامًا، وذلك الشيء الذي يهتزّ حرّكته أيضًا، ولم تبقَ هذه الأمنية في قلوبنا. وذات ليلةٍ ذهبنا للصلاة خلف المرحوم الحاج آقا رحيم أرباب، رحمه الله، فقد كان رجلًا فاضلًا وعالمًا جدًّا، وكان تلميذ المرحوم الآخوند الكاشي. وأتذكّر أنّه كان الوقت عند الغروب ، فكان يصلّي هناك على سطح المنزل، ولم يكن يرتدي عمامة، بل كان يضع على رأسه قبّعة من الجلد، وكان يرتدي عباءة وقباءً. ثمّ أتذكّر أنّه عندما أردنا المجيء، التفتَ إلى المرحوم العلامة وقال: لقد صلّى صلاةً جيّدة. أتذكّر هذه العبارة منه: صلّى صلاة جيّدة. كنّا نجلس في الخلف عند الجدار، وهو لم يكن يقول شيئًا. وكنّا نعلم في أيّ عوالم هو، في عالم طفولتنا كنّا نفهم شيئًا وندرك أنّه يأتي ولكنّه لا يرى شيئًا، وإدراكه ليس لهذه الكثرات.
