
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
كيف نرى الأشياء كما هي؟ ومضات من سلوك الأولياء وتواضعهم
كيف تشهد الجمادات وأعضاء الإنسان يوم القيامة؟ ما المعنى العميق لدعاء «اللهم أرنا الأشياء كما هي»؟ ما هو السلوك الحقيقي إلى الله، وهل يقتصر على الأذكار والأوراد؟ كيف كان تواضع الأولياء وابتعادهم عن حبّ الظهور والمقامات الدنيويّة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه عن هذه الأسئلة وتكشف عن دقائق مهمّة في مسير السالكين.
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
5لماذا خُلِقت الأعضاء والقلب؟ وهل نستخدمها وفق غايتها؟
لماذا عندما يقول الإنسان كلامًا صادقًا لا يحدث أيُّ اضطرابٍ؟ يكون الجميع مسترخين تمامًا وجاهزين ومرتاحين وبدون اضطرابٍ أو قلقٍ أو تردُّدٍ أو إبهامٍ أو توتُّرٍ. لماذا؟ لأنَّه يبيِّن جهته المُطابِقة نفسها، ويُستخدَم بالكيفيَّة التي خُلِقَ لها.
لقد خلق الله الدِّماغ ليستخدمه الإنسان في الصِّدق، لا في الشَّيطنة والاحتيال والمكر! كلا، بل ليستخدم هذا الدِّماغ في الصِّدق. وجعل الله اليد ليأخذ بها القلم في المسار الصَّحيح ويكتب، لا ليوقِّع بها على أمرٍ غير صحيحٍ، على ملفٍّ باطلٍ وظالمٍ وكاذبٍ. ليس لديه مالٌ ويُصدِر صكًّا ويوقِّع. أنت تعلم أنَّك لا تستطيع الدَّفع، فلماذا توقِّع؟ يقول: لا! سأدفع، وليكن ما يكون. لأيِّ شيءٍ هذه اليد؟ هي لتُستخدَم في مسار ما هو واقعٌ وحقٌّ وصدقٌ. والرِّجل كذلك، والقلب كذلك، والخطرات كذلك. لقد أعطى الله الإنسان قلبًا ليحسن الظنَّ دائمًا بأخيه المؤمن، وليكون دائمًا حسن النيَّة والظنِّ بأخيه المؤمن. لا ليجلس وينسج في ذهنه وفكره ألف خيالٍ لا وجود خارجيًّا لواحدٍ منها، ثمَّ يرتِّب الأثر عليها، فيا ويلتاه! هنا تنشأ جهنَّم. لقد جعل الله القلب لهذا: لنضع الأمور في جانب الخير. نحن نفكِّر، فلنفكِّر في الخير.
حُسن الظنّ حتّى بالمخالف: كيف ننتفع سلوكيًّا؟
ذات مرَّةٍ كنَّا في مكانٍ ما، وكان أحدهم قد قال كلامًا، ولم يكن مرتاحًا لي كثيرًا حينها. جاء أحدٌ إلينا وقال: فلان قال كذا وكذا هناك. جلستُ ففكَّرتُ وقلتُ: ربَّما لم يكن يقصد هذا. التفتُّ إلى هذا الرجل وقلتُ: لكلامه مَحْمَلٌ حسن، وهو قابلٌ للتَّأويل، فربَّما كان قصده من هذا الكلام كذا. نعم، هذا الرجل مُخالِفٌ، وأموره وطريقته مُختلفة، أصلًا برنامجه برنامج مواجهة ومُخالَفةٍ، فهذا من جهة لا شكّ فيه. ولكن لماذا لا يأتي الإنسان ويحمل الكلام على الصِّحَّة حتَّى مع مَن يُخالِفه، طالما أنَّ ذلك ممكنٌ؟ فلماذا لا؟ في الموضع الذي لديه يقينٌ ـ مثل هذا المِصباح الذي لا شكَّ في وجوده الخارجيِّ، فهذا يقينٌ ـ عندها يصبح غضُّ الطَّرْفِ غباءً وحيرةً. ولكن عندما لا يكون لدى الإنسان يقينٌ وهناك مجالٌ للتَّوجيه والتبرير، فحينها على الإنسان أن يبرّر. حسنًا، هذا الرجل قال خمسين كلمةً في غياب الإنسان. فلو أضاف الإنسان هذه الكلمة أيضًا فوق الخمسين لأصبحت إحدى وخمسين، وإن لم يُضِفها بقيت خمسين كما هي. فلماذا لا يتركها كما هي، فهذا قال هذه الخمسين كلمةً فأيُّ إشكالٍ في ذلك؟
