
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
كيف نرى الأشياء كما هي؟ ومضات من سلوك الأولياء وتواضعهم
كيف تشهد الجمادات وأعضاء الإنسان يوم القيامة؟ ما المعنى العميق لدعاء «اللهم أرنا الأشياء كما هي»؟ ما هو السلوك الحقيقي إلى الله، وهل يقتصر على الأذكار والأوراد؟ كيف كان تواضع الأولياء وابتعادهم عن حبّ الظهور والمقامات الدنيويّة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه عن هذه الأسئلة وتكشف عن دقائق مهمّة في مسير السالكين.
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
12هل فهمنا حقيقة "اللهم أرنا الأشياء كما هي"؟ قصة مع أحد المراجع
في الزَّمن السَّابق، زمن الثَّورة، قبل أن تنتصر الثَّورة، كان أحد هؤلاء السَّادة المراجع الذين توفُّوا - وكان في قُمَّ أيضًا - قد ألقى خطابًا. أحضرتُ شريط خطابه إلى المرحوم العلَّامة، وكان يتحدَّث طوال خطابه عن أنَّ هذه القضايا التي حدثت يجب أن تُعكَس بشكلٍ صحيحٍ في الصُّحف، ولا ينبغي لهم أن يقولوا خلاف الواقع ويكذبوا. ألا تعلمون أنَّنا نقول في الدُّعاء: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ»؟ يعني لا تكذبوا، قولوا ما هو واقعٌ. وعندما كان المرحوم العلَّامة يستمع في غُرفته في منزله بطهران، قال: هل هذا هو معنى «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ»؟ سبعون عامًا! كم فَهِمَ؟! كم فَهِمَ من المعرفة والحقيقة؟! كم فَهِمَ من التَّوحيد؟! يا عزيزي! هذا الدُّعاء «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ» يأتي بعد سلسلةٍ من العبارات: «اللَّهُمَّ اجعَل فِي سَمعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا». «فِي سَمعِي نُورًا»، فماذا يعني ذلك؟ لا بُدَّ أنَّه يقول: يا الله، أشعل مِصباحًا يدويًّا في أذني! مَن يفسِّر هذا هكذا، يجب أن يقول ذلك أيضًا هكذا. فماذا يفهم هو؟ فقط هذا! مجموعةٌ من مسائل الدِّماء الثَّلاثة والأحكام الظَّاهريَّة، هذا فقط. هذه أصبحت معرفتنا بما جاء به رسول الله الأكرم صلّى الله عليه وآله من عند الله تعالى لأجل سعادتنا.
"اذهب واطلب عينًا أخرى": لماذا لا يكفي العقل وحده؟
يجب الوصول إلى هذه النُّقطة: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ». هذه هي النُّقطة التي يريدها الإمام عليه السلام. لذلك يقول الشَّيخ محمود الشَّبستريُّ أعلى الله مقامه - والذي كانت أشعاره حقًّا أشعارًا مُحييةً ومُنعِشةً، وهو رجلٌ امتزجت فيه التَّعاليم الفلسفيَّة مع مشرب الشُّهود والوجدان والعرفان والتَّوحيد، فكلاهما امتزجا واختلطا وقدّما شيئًا جيِّدًا - يقول:
خِرَد را نیست تابِ نورِ آن روی *** برو از بهرِ او چشمی دگر جوی يقول: العقل لا يطيق نور ذلك الوجه *** اذهب واطلب عينًا أخرى من أجله
العلم يرشد ولكن العمل يوصل: دور المجاهدة والرياضة
لا يمكن للعقل الوصول إلى هذا الأمر، لا بدّ من السَّير، لا بدّ من الرِّياضة، لا بدّ من الذِّكر، لا بدّ من الوِرد، لا بدّ من إحياء اللَّيالي، لا بدّ من المراقبة. نعم، فالعلم مفيدٌ ويفتح الطَّريق، العلم يبيِّن الطَّريق. ولكن ما الذي يوصل الإنسان إلى الهدف المقصود؟ "الأسفار" لصدر المتألِّهين و"الفتوحات" لمحيي الدِّين أعلى الله مقاميهما، فيهما كلُّ شيءٍ. تعالَ واقرأ كلَّ "الفتوحات" من أوَّلها إلى آخرها، مفيدةٌ جدًّا وتشعر بالبهجة كثيرًا. ولكن حسنًا، هل عرفتَ الله وشعرتَ به في وجودك بقراءتها؟! كلا! بل فهمنا أمورًا كثيرةً، ولكن هل تغيَّرت عيناك الاثنتان؟! هل تغيَّرت رؤيتك المزدوجة؟ هل تغيَّر ما كان يراه قلبك أم لا؟! كلاّ! فالعلم مُساعِدٌ ومُحرِّكٌ، ويبيِّن الاتِّجاه، ويزيل الموانع، ويبيِّن المُعِدَّات للإنسان. ولكنَّه لا يستطيع أن يجعل الحقيقة ملموسةً في قلب الإنسان. جعلها ملموسة يحتاج إلى عملٍ، يحتاج إلى تغييرٍ وتحوُّلٍ جوهريٍّ للنَّفس حتَّى يصل الإنسان إليه.
