
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
كيف نرى الأشياء كما هي؟ ومضات من سلوك الأولياء وتواضعهم
كيف تشهد الجمادات وأعضاء الإنسان يوم القيامة؟ ما المعنى العميق لدعاء «اللهم أرنا الأشياء كما هي»؟ ما هو السلوك الحقيقي إلى الله، وهل يقتصر على الأذكار والأوراد؟ كيف كان تواضع الأولياء وابتعادهم عن حبّ الظهور والمقامات الدنيويّة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه عن هذه الأسئلة وتكشف عن دقائق مهمّة في مسير السالكين.
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
11ثبات القلب ونوره في مواجهة الإغراءات الدنيويّة
لِيبقَ قلبي دائمًا صُلبًا ومستقيمًا وثابتًا ومستمرًّا في طريق الحقِّ، راسخًا ومُتقَنًا. لا تُزلزله شُبهةٌ، ولا تحرفه غِوايةٌ، ولا يُزلزله تشجيعٌ، ولا يجعله متردِّدًا ترغيبٌ. «وَفِي قَلبِي نُورًا». عندما يتحقّق نور القلب هذا، لا تستطيع هذه الأشياء الخارجيَّة التَّأثير فيه. فليأتوا بألف تشجيعٍ وليقولوا: إن قَبِلتَ هذا سنكتب اسمك في الصُّحف، إن قَبِلتَ هذا سنعطيك الامتياز الفلانيَّ، إن قَبِلتَ هذا سنمنحك راتبًا مستمرًّا قدره كذا وكذا، إن قَبِلتَ هذا سيأتيك التَّشجيع الفلانيُّ. أبدًا! بل يضحك بسُخريةٍ من كلِّ هذا الكلام. يراه كلَّه باطلًا باطلًا، ويهرب فراسخ من هذه الأمور التَّافهة والأمور المُقزِّزة والمُثيرة للغثيان. "مُثيرة للغثيان" عبارةٌ جميلةٌ. حقًّا، يشعر الإنسان بالغثيان من هذه الأمور. تعالَ اقبل هذا حتَّى نعطيك الامتياز الفلانيَّ. لأيِّ شيءٍ؟! لتستطيع الذَّهاب إلى كلِّ مكانٍ وتفعل العمل الفلانيَّ. حسنًا، وإن لم أفعله، فهل أموت؟ عجيبٌ حقًّا! لا ينبغي للإنسان أن يدخل في هذا الكلام. إن دخل فيه أصابته الكُدورة. ولكن لا بأس بمعرفة بعض الأشياء. من أجل الدُّنيا والاعتبار فيها، وكم هو واسعٌ نطاق اعتبار هذه الدُّنيا! يشمل الكافر والمسلم، السنيَّ والشيعيَّ، العالم والجاهل، الكاسب والتَّاجر. يشمل الجميع، كلاًّ بحسب دوره وحصَّته، فهو يشملهم جميعًا.
يا الله، اجعل النُّور في شراشر أعضائي وجوارحي. «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ». يا الله، أرِني حقائق الأشياء تلك، حقيقتها الرَّبطيَّة. أرِنيها، حتَّى لا يعود قلبي يهوى هذا وذاك.
كيف تُغني رؤية الله كمسبّب الأسباب عن الحاجة إلى الخلق؟
أرِني أنَّك أنت مسبِّب الأسباب، حتَّى لا أذهب من جديد إلى زيدٍ وعمروٍ. أرِني أنَّك أنت علَّة العِلل، حتَّى لا ألتفت من جديد إلى هؤلاء الوضيعين الذين يُستخسَر فيهم ردُّ السَّلام ـ ردُّ السَّلام الواجب يُستخسَر فيهم ـ لا ألتفت إليهم. لا ألتفت إليهم. أرِني كيف أنَّ إرادتك ومشيئتك ساريةٌ وجاريةٌ في کل عالم الوجود كلِّ، حتَّى لا أرتكب من جديد ألف نوعٍ من التَّملُّق والذُّلَّة والاستخفاف والدَّناءة والرَّذالة لأجل الوصول، ولا أمُدَّ يدي إلى هذا وذاك، إلى أُناسٍ هم من وجهة نظر الإنسانيَّة في أسوأ مراتب الحيوانيَّة، لا أذهب إليهم. أرِني أنت بنفسك أنَّك أنت الكلُّ في الكلِّ. أرِني حقيقة الأشياء، وأنَّها كلَّها مستندةٌ إليك، وأنَّ لا أحد بدون إرادتك يمكن أن يكون مريدًا، ولا أحد بدون مشيئتك يمكن أن تكون له مشيئة، ولا أحد بدون إرادتك يمكن أن يكون مختارًا، ولا أحد بدون عنايتك وقدرتك يمكن أن يرفع جناح بعوضةٍ عن الأرض. ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾۱. فلولا قدرتك لكان العالم كلُّه باطلًا وعدمًا، ولأحاط غُبار العدم بالجميع. أوجِد لي هذا الأمر وهذه الحقيقة.
- سورة الحج (٢٢) الآية ۷٣.
