
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
كيف نرى الأشياء كما هي؟ ومضات من سلوك الأولياء وتواضعهم
كيف تشهد الجمادات وأعضاء الإنسان يوم القيامة؟ ما المعنى العميق لدعاء «اللهم أرنا الأشياء كما هي»؟ ما هو السلوك الحقيقي إلى الله، وهل يقتصر على الأذكار والأوراد؟ كيف كان تواضع الأولياء وابتعادهم عن حبّ الظهور والمقامات الدنيويّة؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه عن هذه الأسئلة وتكشف عن دقائق مهمّة في مسير السالكين.
شهادة الأشياء وحقيقتها التكوينية في ميزان العرفان
10رؤية الحقائق كما هي: معنى دعاء "اللهم أرنا الأشياء كما هي"
بمَن تختصُّ رؤية هذه الحقيقة والإحساس بها وأن يشاهد الإنسان ـ وهو يعيش في هذا العالم ـ هذا الواقع والجانب الربطيّ للأشياء؟ فنحن الآن لا نشاهد الجانب الربطيَّ، بل نشاهد جانب التعلُّق بالمادة وجانب الكَثرَة، والعمل الذي نقوم به، والفِكر الذي نفكِّر به.
إنّه يختصّ بهؤلاء الذين اخترق نور باطنهم وبصيرتهم حُجُبَ كثرات عوالم الحُجُب، وتجاوزوا هذه العوالم، واتَّصلت أعينهم وقلوبهم بعالم الملكوت. هؤلاء هم الذين يشاهدون هذه الحقائق التَّوحيديَّة.
ونحن نقرأ في دعاء القنوت: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ». يا الله، أرِنا الأشياء، الحقائق، كما هي. كما هي، لا أنَّه إذا كانت قضيَّةٌ كاذبةً فنفهم كذبها. «اللَّهُمَّ اجعَل فِي قَلبِي نُورًا... وَفِي جَمِيعِ جَوَارِحِي نُورًا».۱ بعد هذا الأمر يقول: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشيَاءَ كَمَا هِيَ»٢. يا الله، اجعل في عيني نورًا. فماذا يعني ذلك؟! هل هي هذه العين نفسها؟! هذه فيها نورٌ. اجعل في أذني نورًا. النُّور في الأذن لا معنى له. فلماذا يقول اجعل لي في الأذن نورًا لماذا؟! «وَفِي سَمعِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا». اجعل في لساني نورًا. فماذا يعني ذلك؟! يعني أن ينطق لساني بالتَّوحيد فقط، أن يقول التَّوحيد فقط، ولا تكون فيه أيُّة شائبةٍ من الكثرة، ولا يلتفت لحظةً إلى غير الوحدة، ولا يتكلَّم بغير الوحدة، ولا يتلوَّث بألفاظ عالم الكثرة وعباراته. وليكن كلامه كلام صدقٍ، وليكن مطابقًا للحقِّ ومطابقًا لتلك الحقيقة الرَّبطيَّة التَّوحيديَّة. فالعين عندما ترى، تراه هو فقط.
به دريا بنگرم دريا تو بینم *** به صحرا بنگرم صحرا تو بینم به هر جا بنگرم کوه و در و دشت *** نشان از قدِّ رعنای تو بینم يقول: أنظر إلى البحر فأراك أنت البحر *** أنظر إلى الصَّحراء فأراك أنت الصَّحراء
أينما أنظر، إلى الجبل والباب والسَّهل *** أرى علامةً من قامتك الرَّشيقة
العين عندما تنظر، تراه هو. هنا يقول الإمام عليه السلام للّه تعالى: أَجْرِ تلك الحقيقة التَّوحيديَّة في كلِّ شراشر وجودي. يا الله، لِتَرَاك أنت وحدك عيني ولا تنظر إلى غيرك، ولِتَسمع أذني صوتك أنت وحدك، وليكن ما تسمعه تجلِّيات مقام تكلُّمك. وليكن ما يشعر به قلبي هو نفس الإحساس بحقائقك الربطيَّة. لا أن يشعر بالكثرة، لا أن يشعر بالتَّعلُّقات الباطلة، لا أن تأتي موانع الدُّنيا وتحجب ذلك القلب. لا أن تأتي التعلُّقات وتأخذ منِّي الحقائق أو تجعلها باهتةً.
- بحار الأنوار، ج ۸٤، ص ٣۱٤: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ و آلِ مُحَمَّدٍ و اجعَل فِى قَلبِى نُوراً و فِى بَصَرِى نُوراً و عَلَى لِسانِى نُوراً و مِن فَوقِى نُوراً و مِن بَينِ يَدَىَّ نُوراً و مِن خَلفِى نُوراً و عَن يَمِينِى نُوراً و عَن شِمالِى نُوراً و مِن فَوقِى نُوراً و مِن تَحتِى نُوراً و عَظِّم لِى النُّورَ و اجعَل لِى نُوراً أمشِى بِهِ فِى النّاسِ و لا تَحرِمنِى نُورَكَ يَومَ ألقاكَ.
- معرفة الله، ج۱، ص: ٢٢٦ هامش رقم ٢: من جملة الأدعية التي تذكر في القنوت في الصلوات الواجبة و النوافل، و أوّلها: اللهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَ حُبَّ مَا تُحِبُّهُ وَ حُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَ العَمَلَ الذي يُبَلِّغُنِي إلى حُبِّكَ وَ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ الأشْيَاءِ إلى. جاء كامل هذا الدعاء في «بحر المعارف» ص ٣۰٩، حيث نُسِبَ جزء منه إلى الرسول و نُسِبَ الجزء الآخر إلى أمير المؤمنين عليهما السلام. و ورد قسم من الدعاء كذلك في المجموعة المطبوعة الصغيرة للحاجّ ملّا محمّد جعفر كبودر آهنكى. و كان آية عظماء الحقّ المرحوم الحاجّ ميرزا السيّد على آقا القاضي تغمّده الله برضوانه يوصي تلاميذه بقراءة هذا الدعاء في قنوت صلواتهم.
وحكي الشيخ نجم الدين الرازيّ في «مرصاد العباد» عين هذه الفقرة عن رسول الله، في ص ٣۰٩. و جاء في تعليقاته في ص ٦٣۱ قوله: «إنّه حديث ورد ذكره في تعليقات «فيه ما فيه» ص ٢۱٤».واستند كذلك الرازيّ في رسالة «العشق و العقل» ص ۷٤ على هذا الحديث
