
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
لسانٌ فصيحٌ وقلبٌ مُظلمٌ أم لسانٌ ألكَنٌ وقلبٌ مُضيءٌ؟
ما هي دوافعِ إبرازِ الذات؟ وما علاقة الفصاحةِ بالإيمان؟ وما هو تأثيرِ المجالسِ على القلب؟ ولماذا لم يجعل الإمام السجّاد العمل شفيعًا بل المعرفة؟ وكيف يجب أن ننظر إلى العمل؟ تجيب هذه المحاضرة عن كلّ ذلك مبيّنة وجهة نظر مدرسةِ التوحيدِ عبرَ قصصٍ واقعيّةٍ عن العلماء والأولياءَ.
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
الوصف:
ما هي دوافعِ إبرازِ الذات؟ وما علاقة الفصاحةِ بالإيمان؟ وما هو تأثيرِ المجالسِ على القلب؟ ولماذا لم يجعل الإمام السجّاد العمل شفيعًا بل المعرفة؟ وكيف يجب أن ننظر إلى العمل؟ تجيب هذه المحاضرة عن كلّ ذلك مبيّنة وجهة نظر مدرسةِ التوحيدِ عبرَ قصصٍ واقعيّةٍ عن العلماء والأولياءَ.
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
8مقارنة عجيبة: الخطيب المصقع ذو القلب المظلم والرجل الألكن ذو القلب المضيء
يقولُ الإمامُ الصَّادِقُ عليه السلام: «تَرَى الرَّجُلَ لَا يُخْطِئُ بِلَامٍ وَ لَا وَاوٍ خَطِيباً مِصْقَعاً وَ قَلْبُهُ أَشَدُّ سَوَاداً مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ»۱. مِثلُ اللَّيلِ المُظلِمِ يَبقى قَلبُهُ. هؤلاءِ هم، هذا السَّيِّدُ الخَطيبُ، خَطيبٌ جدًّا ومِصقَعٌ جدًّا في الكَلامِ وفي إلقاءِ الخُطبةِ ولكِن قَلبُهُ مُظلِمٌ! ظُلمانيٌّ. اذهَبوا وانظُروا قَبرَهُ، ما الخَبَرُ هُناكَ؟ ظُلمَةٌ وكُدورةٌ. الآنَ، على الرَّغمِ من أنَّنا لا نَفهَمُ هذهِ الأمورَ، ولكِن لِنَقبَل كَلامَ الأولياءِ على الأقَلِّ! لا نَأتِ ونَقولُ إنَّهُ من مَفاخِرِ الإسلامِ. لا نَأتِ ونَقولُ اقرَؤوا كُتُبَهُ! لا نَقولُ هذهِ الأقوالَ بعدَ الآنَ! لا نَأتِ بعدَ الآنَ ونَأخُذُ كِتابَهُ كَكِتابٍ نَموذَجيٍّ نَختارُهُ من بَينِ كلِّ هذهِ الكُتُبِ ومن بَينِ كلِّ هذهِ الكِتاباتِ. لِنَفهَم أنَّ الأعاظِمَ لم يَتَكلَّموا عَبَثًا. لِنَترُك المَصالِحَ جانِبًا. لا نُضَحّي بالوَلايةِ من أجلِ دُنيا يَومَينِ. لا نُضَحّي بالإمامةِ ومَدرَسةِ الشِّيعةِ من أجلِ مَصالِحِ أيّامٍ قَليلةٍ. ولا نَرضى لأنفُسِنا بِغَضَبِ وَليِّ نِعمَتِنا. مَنْ هوَ وَليُّ نِعمَتِنا؟ إمامُ الزَّمانِ عليه السلام. لا شأنَ لنا بِغَيرِهِ.
هذهِ فِئةٌ، والفِئةُ الأُخرى: «وَ تَرَى الرَّجُلَ». تَرى رجلًا لا يَستَطيعُ أصلًا أن يُعَبِّرَ عَمّا في ضَميرِهِ بالكَلامِ. أي أنَّهُ ألكَنُ إلى هذا الحدِّ، لا يَستَطيعُ أن يُبَيِّنَ ما يَدورُ في ضَميرِهِ. اطِّلاعُهُ على التَّراكيبِ قَليلٌ، كَلامُهُ قَليلٌ. إنسانٌ أُمِّيٌّ،. «وَ قَلْبُهُ يُزْهِرُ كَمَا يُزْهِرُ الْمِصْبَاحُ». مِثلُ المِصباحِ يُزهِرُ قَلبُهُ.
قصّة الحاج هادي الأبهري رحمه الله: الأمّي الذي يستشيره المرجع!
مثل مَنْ؟ مثل المَرحوم الحاج هادي الأبهَريُّ - رَحِمَهُ اللهُ - لم يكن يَستَطيعُ التَّحَدُّثَ، لم يكن لَدَيهِ علم هذا العَبدُ المِسكينُ. كانَ قد صَنَعَ خَتمًا في جَيبِهِ. فإذا أراد أن يُوَقِّعَ، كانَ يُخرِجُ كيسَهُ. كانوا قد صَنَعوا لهُ خَتمًا، يَضَعُ الخَتمَ في الحِبرِ ويَلصِقُهُ على الوَرَقِ. لم يكن يَعرِفُ كيفَ يُوَقِّعُ. ولكِن هذا الحاج هادي الأبهَريُّ نَفسُهُ، قَلْبُهُ يُزْهِرُ، مِثلُ المِصباحِ كانَ يُزهِرُ قَلبُهُ. كانَ يُخبِرُ بالنِّيّاتِ ويُمَيِّزُ النِّفاقَ من غَيرِ النِّفاقِ. كنتَ تأتي وتُسَلِّمُ عليهِ فيَقولُ: «أيُّها الكاذِبُ!». وكانَ صَريحًا جدًّا أيضًا! كانَ يَضَعُ الحَقَّ في بين يديك مُباشَرةً! من هؤلاءِ الأتراكِ! كانَ بِلا مُجامَلاتٍ! المرحومُ العلامةُ كانَ يُنَبِّهُهُ كثيرًا: يا حاج لا تَفعَل ذلك، راعِ، هناك حِسابٌ وكِتابٌ [للإخبار عن هذه الأمور] ، لم يكن يَفهَمُ، كانَ يَفعَلُ ما يَراهُ. كانَ يَقولُ: أنا في هذهِ الدُّنيا رَأيتُ عالِمًا واحِدًا فقط وهوَ السَّيِّدُ مُحَمَّد حُسَين، سَيِّدٌ جَليلٌ وهوَ السَّيِّدُ مُحَمَّد حُسَين. كانَ صافيًا جدًّا، وكانَ يُحِبُّنا كثيرًا أيضًا. أنا في ذلكَ الزَّمانِ، كانَ عُمري تَقريبًا حَوالي سَبعةَ عَشَرَ عامًا عندما تَوفّيَ رَحِمَهُ اللهُ. كنّا نَجلِسُ عندَهُ ونَقولُ لهُ: احكِ لنا، فكانَ يَحكي قَضايا وقِصَصًا من تجاربه. وأحيانًا كنّا نَقرَأُ عندَهُ بَعضَ الأشعارِ، طبعًا لم يكن لَدَيهِ إدراكٌ عِرفانيٌّ. أحيانًا عندما كنّا صِغارًا كنّا نُمازِحُهُ أيضًا! وعلى كلّ حال فقد كان المَرحومُ السَّيِّدُ الميلانيُّ – كما نَقَلَ عنهُ المَرحومُ الوالِد - يَقولُ: في المَسائلِ المُهِمَّةِ التي كانت تَعرِضُ لي وأتَحَيَّرُ فيها ماذا أفعَلُ، كنتُ أستَشيرُ الحاجَّ هادي الأبهَريَّ. مَرجِعُ تَقليدٍ! السَّيِّدُ مُحَمَّد هادي الميلانيُّ، رَجُلٌ عَظيمٌ. السَّيِّدُ الميلانيُّ رحمه الله كانَ رجلاً قالَ عنهُ المَرحومُ العلامةُ: بعدَ السَّيِّدِ عَبدِ الهادي الشِّيرازيِّ، لم أُعَيِّن فَردًا للمَرجِعيّةِ غَيرَ السَّيِّدِ مُحَمَّد هادي الميلانيِّ. كانَ رجلًا من أصحاب القلوب، ومن أهلَ المَعنى، مُتَهَجِّدًا، والخُلاصة أنّه كانَ يَختَلِفُ عن الآخرين، وكانَ عالِمًا. كانَ عِلمُهُ بالمَسائلِ جيِّدًا، وكانَ فَهمُهُ للفِقهِ فَهمًا جيِّدًا. وفي أواخِرِ عُمرِهِ أيضًا، كانَ المَرحومُ العلامةُ يَقولُ: ذهَبتُ لِزيارته، فرَأيتُ فيهِ حالَ الانقِطاعِ. رَحِمَهُ اللهُ. انظُروا، مَرجِعُ تَقليدٍ يَقولُ: في المَسائلِ المُهِمَّةِ كنتُ أقولُ للحاجّ: يا حاجّ، ماذا تقول بِشأنِ هذهِ القضيّةِ؟ فكانَ يَقولُ: افعَل هذا. أقولُ: من أينَ عَرَفتَ؟ يَقولُ: قَلبي يَميلُ لِذلكَ الطَّرَفِ. وكانَ هوَ أيضًا يَعمَلُ بهِ. المَرحومُ السَّيِّدُ الميلانيُّ لم يكن رجلًا عاديًّا. لم يكن رجلًا عاديًّا لِنَقولَ: يا سيِّدُ، بِأيِّ دَليلٍ وبِأيِّ حِسابٍ وفُلانٍ، وهذا لا يَجوزُ، وأن يأتيَ أحدُهم ويَقولَ شيئًا. كانَ مَعلومًا أنَّهُ هوَ نَفسُهُ من أهل المَعنى والفَهمٍ بالمَعنى الذي لَستَ أنتَ عليهِ. هوَ أيضًا كانَ عِلمُهُ أكثَرَ مِن علمكَ يا مَنْ تَعتَرِضُ، وتَقواهُ أكثَرَ مِن تقواكَ. لِذا، فالرُّجوعُ إلى هذا الرَّجُلِ هوَ رُجوعٌ إلى رَجُلٍ يَستَمِدُّ من الغَيبِ. هذا الحالُ كانَ حالَ استِمدادٍ من الغَيبِ. «وَ قَلْبُهُ يُزْهِرُ كَمَا يُزْهِرُ الْمِصْبَاحُ». لِذا، في الكثيرِ من الأحداث السابقة، كنّا إذا أرَدنا أن نَعرِفَ الأفرادَ وكنّا حينها صِغارًا وفُضوليّينَ أيضًا، إذا أردنا أن نَتَدَخَّلَ في القَضايا ـ وقد تَرَكنا هذه الأمور جانِبًا ـ كنّا نَذهَبُ إلى الحاج هادي ونَقولُ: كيفَ هوَ فُلانٌ؟ ماذا يَقولُ: دَعهُ وشأنَهُ، هوَ لا يَنفَعُ. وبَعضُهم كنّا نُريدُ مِنه تَوضيحًا أكثَرَ بقَليل، فكانَ يَقولُ أشياءَ هيَ من الأسرارِ التي لا تُقالُ! في النِّهايةِ كانَ يَقولُ لنا: لماذا تَسأل عن هذا وذاكَ إلى هذا الحدِّ؟! لَديكَ أبٌ لا نَظيرَ لهُ في الدُّنيا. فهل التفتُّم! ثمَّ نحنُ أنفُسُنا سَمِعنا هذا الكَلامَ نَفسَهُ من السَّيِّدِ الحَدَّادِ، الذي كانَ مَقامُهُ أصلًا لا يُدرَكُ ولا يُوصَفُ. هذا الحاج هادي الأبهَريُّ «وقَلْبُهُ يُزْهِرُ...» فهكذا يَقولُ الإمامُ الصَّادِقُ عليه السلام وهكذا يُرشِدُنا إلى الطَّريقِ.
- الكليني، الكافي (روضة الكافي)، ج ۸، ص ٢٢٩، ح ٢٩٣.
