
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
لسانٌ فصيحٌ وقلبٌ مُظلمٌ أم لسانٌ ألكَنٌ وقلبٌ مُضيءٌ؟
ما هي دوافعِ إبرازِ الذات؟ وما علاقة الفصاحةِ بالإيمان؟ وما هو تأثيرِ المجالسِ على القلب؟ ولماذا لم يجعل الإمام السجّاد العمل شفيعًا بل المعرفة؟ وكيف يجب أن ننظر إلى العمل؟ تجيب هذه المحاضرة عن كلّ ذلك مبيّنة وجهة نظر مدرسةِ التوحيدِ عبرَ قصصٍ واقعيّةٍ عن العلماء والأولياءَ.
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
2أعوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیمِ
بِسمِ اللَهِ الرَّحمَنِ الرَّحیمِ
وصلَّى اللَهُ عَلَى سیِّدنا ونبیِّنا أبیالقاسمِ مُحَمَّدٍ
وعلى آلِهِ الطَّیِبینَ الطّاهِرینَ
واللَعنةُ عَلَى أَعدائِهم أَجمَعینَ
«مَعْرِفَتِي يَا مَوْلَايَ دَلِيلِي عَلَيْكَ وَ حُبِّي لَكَ شَفِيعِي إِلَيْكَ وَ أَنَا وَاثِقٌ مِنْ دَلِيلِي بِدَلَالَتِكَ وَ سَاكِنٌ مِنْ شَفِيعِي إِلَى شَفَاعَتِكَ»
معرفتي بكَ يا مولاي هي دليلي ومرشدي إليكَ، ومحبتي لكَ هي شفيعي لديكَ، وأنا على ثقةٍ ويقينٍ بأنَّ هذا الدليلَ سيوصلُني إلى الدلالة عليكَ، ومطمئنُّ القلبِ بأنَّ هذا الشفيعَ سيشفعُ لي عندكَ.
إنها لكلماتٌ عجيبةٌ حقًّا، هذه العباراتُ للإمامِ السجادِ عليه السلام. وكلّما قرأناها أكثر وتحدّثنا حولَها أكثر، أدركنا عظمةَ مدرسةِ أهلِ البيتِ عليهم السلام أكثر؛ حيثُ إنهم حقًّا لم يتركوا في هذهِ المدرسةِ شيئًا لأنفسِهم، وجعلوا كلَّ شيءٍ لهُ تعالى، على عكسِ سائرِ المدارسِ التي يكونُ الإنسانُ فيها هو المحورَ في المقامِ الأوّلِ فيما يُعرَضُ من مواضيعَ. عندما نحلِّلُ المسائلَ نرى أنَّ الإنسانَ نفسَهُ هو المحورُ، ولكنَّهُ يعرضُ أمورًا أيضًا في سياقِ إبرازِ ذاتِهِ وشخصيّتِهِ.
كيف يبرز الإنسان ذاته؟ وما هي دوافعه؟
في الواقعِ، هذهِ المواضيعُ هي لإبرازِ الذاتِ. إنَّ إبرازَ الإنسانِ لذاتِهِ يتطلَّبُ وسيلةً في نهايةِ المطافِ، وعلى الإنسانِ أن يُبرِزَ ذاتَهُ بوسيلةٍ ما؛ إمّا أن يكونَ ذا جمالٍ فيُبرِزَ ذاتَهُ بذلكَ الجمالِ. وإن لم يكن الإنسانُ ذا جمالٍ بينَ الناسِ في حالِ كانَ الجمالُ أحدَ عواملِ الجذبِ فبأيِّ شيءٍ يُبرِزُ ذاتَهُ؟ لا شيء، إذا كانَ ذا شكلٍ ومظهرٍ عاديٍّ. أو أن يكونَ ذا علمٍ فيُبرِزَ ذاتَهُ بالعلمِ، أو أن يكونَ ذا حرفةٍ وفنٍّ فيُبرِزَ ذاتَهُ بها؛ نجّارًا ماهرًا جدًّا يستطيعُ إخراجَ أشياءَ نفيسة جدًّا، أو حدّادًا يستطيعُ عرضَ مصنوعاتٍ جذّابةً جدًّا، أو مهندسًا معماريًّا يستطيعُ رسمَ مُخطَّطاتٍ لافتةً للنظرِ ومتنوِّعةً جدًّا.
خُلاصةُ القولِ، يجبُ أن يكونَ للإنسانِ حُسنٌ جذّابٌ ما ليتمكَّنَ من خلالِهِ إبرازَ ذاتِهِ؛ كأن يكون بطلًا يستطيعُ بقوةِ ساعدِهِ لفتَ انتباهِ الناس. أمّا إذا كانَ الفردُ ذا قوّةٍ عاديّةٍ، فلن يلتفِتَ إليهِ أحدٌ، أو إذا كانَ علمُهُ علمًا عاديًّا ومألوفًا فلن يلتفِتَ إليهِ أحدٌ. دائمًا يتَّجِهُ الاهتمامُ نحو أمرٍ غيرِ عاديٍّ وغيرِ مألوفٍ، سواءٌ كانَ ذلكَ الأمرُ ذا قيمةٍ أم لا. لنفترض قاتلًا مُحترِفًا جدًّا، أو سارِقًا ولِصًّا مُحترِفًا جدًّا يشتهِرُ اسمُهُ في كلِّ مكانٍ. هذا أيضًا نوعٌ من إبرازِ الذاتِ. أو مُقامِرًا مُحترِفًا جدًّا، هذا أيضًا نوعٌ من إبرازِ الذاتِ. أو مُجرِمًا قاسيَ القلبِ جدًّا؛ فهؤلاءِ الذينَ برزوا في التاريخِ كـ«نيرون» و«جنكيز» و«تيمور» و«الإسكندر»، ومن المُحدَثينَ مثل «هتلر» وهؤلاءِ الأفرادِ الذينَ كانوا مؤخَّرًا ولم يكن لِقسوتِهم حدٌّ ولا مدى. هؤلاءِ أيضًا أسماؤهم موجودةٌ في التاريخِ والجميعُ يعرفونَهم. مَنْ ذا الذي لا يعرفُ جنكيز؟ إذًا، إبرازُ الذاتِ لا يقتصِرُ على الصِّفاتِ القيِّمةِ، بل بظهورِ الصِّفاتِ والأمورِ غيرِ العاديّةِ وغيرِ المألوفةِ أيضًا. وأحدُ تلكَ الأمور الجذّابة ووسائِلِ إبرازِ الذاتِ هوَ العلمُ. إنسانٌ يتحدَّثُ جيِّدًا، يتكلَّمُ ببلاغةٍ فائِقةٍ.
