
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
لسانٌ فصيحٌ وقلبٌ مُظلمٌ أم لسانٌ ألكَنٌ وقلبٌ مُضيءٌ؟
ما هي دوافعِ إبرازِ الذات؟ وما علاقة الفصاحةِ بالإيمان؟ وما هو تأثيرِ المجالسِ على القلب؟ ولماذا لم يجعل الإمام السجّاد العمل شفيعًا بل المعرفة؟ وكيف يجب أن ننظر إلى العمل؟ تجيب هذه المحاضرة عن كلّ ذلك مبيّنة وجهة نظر مدرسةِ التوحيدِ عبرَ قصصٍ واقعيّةٍ عن العلماء والأولياءَ.
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
12لماذا يكره الله أن نَمُنَّ عليه بأعمالنا؟
تقدّم للرُّفَقاءِ ليلةَ أمسِ أنَّنا بِأعمالِنا وبِأفعالِنا نُريدُ أن نَمُنَّ على اللهِ. إلهي، لقد صَلَّينا وصُمنا وأدَّينا حَجَّكَ وجِئنا وفعَلنا هذهِ الأعمالَ. واللهُ لا يُعجِبُهُ الإنسانُ الذي يُريدُ أن يَعرِضَ هذهِ الأمورَ على حَضرَتِهِ. لقد جِئنا إلى هُنا، كنّا هُنا لِخَمسَةَ عَشَرَ عامًا وكنّا في ِخِدمةِ المرحوم العلاّمة، وكنّا بعده، في النِّهايةِ هُناكَ حِسابٌ وكِتابٌ... . اللهُ لا يُعجِبُهُ مَنْ يُريدُ أن يَستعرِضَ هذهِ الأمورَ أمامه. فليسَ الأمرُ بيدِ العَبدِ، بل بيدِ اللهِ. ولكِن أقولُ: اللهُ، كما عَرَفتُهُ، لا يُعجِبُهُ، أمّا كيفَ عَرَفتُموهُ أنتم، فلا علم لي.
كما عَرَفناهُ نحنُ وقيلَ لنا في كَلامِ الأعاظِمِ والأئِمَّةِ عليهم السلام، اللهُ يَكرَهُ مَنْ يُريدُ أن يَستعرِضَ عَمَلَهُ. إلهي، لقد فعَلتُ هذا العَمَلَ من أجلِكَ. بِمُجرَّدِ أن يَقولَ من أجلِكَ، يَضَعُهُ اللهُ أمامه: لماذا فعَلتَ العَمَلَ الفُلانيَّ بالأمسِ؟! ماذا حدَثَ؟! هذا التَّوفيقُ الذي وَجَدتَهُ لِتُصلِّيَ، مَنْ أعطاكَ هذا التَّوفيقَ؟! هل جَلَبتَهُ من مَنزِلِ عَمَّتِكَ أم خالَتِكَ؟! هذا الحالُ الذي حدَثَ لكَ بِحَيثُ لم تُشارِك في المَكانِ الفُلانيِّ وجِئتَ وشارَكتَ هُنا، مَنْ أعطاكَ هذا الحالَ؟! الشَّيءُ الذي أعطَيتُكَ إيّاهُ ورأسُ المالِ الذي أعطَيتُكَ إيّاهُ تَمُنُّ بهِ عَلَيَّ؟! القُوَّةُ التي أعطَيتُكَ إيّاها تَستعرِضُها أمامي؟ هذا ظُلمٌ كبيرٌ أن يُعطيَ الإنسانُ مالًا لِآخر، ثمَّ يَذهَبَ ذلك الآخر ـ ورغم أنّ المالُ والقُوَّةُ من غيره ـ يشتري شيئًا ويَقولَ: أنا اشتَرَيتُ هذا! فمَنْ أعطاكَ هذهِ القُوَّةَ؟! مَنْ أعطاكَ هذا التَّوفيقَ؟! كونُكَ الآنَ هُنا وإخوَتُكَ في مَكانٍ آخَرَ، مَنْ أعطاكَ هذا؟ كونُكَ الآنَ أنتَ هُنا وكانوا يُريدونَ أن يأخُذوكَ إلى المَجلِسِ الفُلانيِّ ولم تَذهَب، مَنْ أوجَدَ لكَ هذا التَّوفيقَ؟ كونُكَ في هذا المَوقِفِ وفي حالةٍ أنَّ رُفَاقكَ ومَنْ هم في سِنِّكَ وشَريكَكَ في مَكانٍ آخَرَ.
انظُروا الآنَ في هذهِ اللَّيلةِ السَّادِسةِ والعِشرينَ من شَهرِ رَمَضانَ، ما الخَبَرُ في المَنازِلِ؟ ما الخَبَرُ في السَّهَراتِ اللَّيليّةِ؟ في الأماكِنِ المُختَلِفةِ؛ ضِحكٌ وقَهقَهةٌ وعَبَثٌ. والآنَ لا نَقولُ فَسادٌ وذَنبٌ وفِسقٌ وفُجورٌ وهذهِ الأمورُ، لا! الناس العاديّونَ، هؤلاءِ النَّاسُ العاديّونَ والصَّائِمونَ والمُصَلّونَ. الآنَ الأحاديثُ التي تَدورُ في البُيوتِ والمَجالِسِ، أيُّ أقوالٍ وأيُّ مَواضيعَ؟ يا سيِّدُ، لا أعلَمُ، البَلَدُ الفُلانيُّ هَدَّدَ، يَصنَعونَ قَنابِلَ، يَصنَعونَ قنابل نَوَويّة، يَصنَعونَ هذهِ الأشياءَ و ليلةُ شَهرِ رَمَضانَ تَنتَهي بِأحاديثَ تافِهةٍ، ولا نَتيجةَ من الصِّيامِ والعِبادةِ والتَّوَجُّهِ و كلُّ الأشياءِ التي اكتَسَبوها في النَّهارِ يَفقِدونَها في اللَّيلِ، ويَومٌ جَديدٌ ورِزقٌ جَديدٌ. تَرتَفِعُ الأصواتُ وشِجارٌ، كنتُ هُناكَ! في النِّهايةِ يَذهَبُ الجَميعُ مُتعَبينَ وهالِكينَ. يا عَزيزي، لن تَحصُلَ على شيءٍ من كلِّ هذا الصُّراخِ والصِّياحِ ومُمارَسةِ الأسَاليبِ وإظهارِ الحَميّةِ القَوميّةِ والمَسائلِ الأُخرى. لن تَحصُلَ على شيءٍ، اذهَب وأنقِذ نَفسَكَ، يَجِبُ أن تَسلُكَ مَسارًا آخَرَ. اذهَبوا وانظُروا ما الخَبَرُ وما هيَ الأقوالُ؟ يتَحَدَّثونَ ثلاثَ ساعاتٍ، سَجِّلوا تلكَ السَّاعاتِ الثَّلاثَ واستَمِعوا إليها، سَتَضحَكونَ أنتم أنفُسُكم: انظُروا إلينا يا لَلعاطِلينَ، مَزَّقنا حَناجِرَنا وأوجَعنا أدْمِغَتَنا بِمَسائلَ لا تتَعَلَّقُ بي ولا بِكم.
