
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
لسانٌ فصيحٌ وقلبٌ مُظلمٌ أم لسانٌ ألكَنٌ وقلبٌ مُضيءٌ؟
ما هي دوافعِ إبرازِ الذات؟ وما علاقة الفصاحةِ بالإيمان؟ وما هو تأثيرِ المجالسِ على القلب؟ ولماذا لم يجعل الإمام السجّاد العمل شفيعًا بل المعرفة؟ وكيف يجب أن ننظر إلى العمل؟ تجيب هذه المحاضرة عن كلّ ذلك مبيّنة وجهة نظر مدرسةِ التوحيدِ عبرَ قصصٍ واقعيّةٍ عن العلماء والأولياءَ.
تجنّب التوقّع والمَنّ على الله: سبيل العبودية الحقّة
10لماذا يقول الإمام السجاد عليه السلام "ما لي عمل صالح أستوثق به"؟
انظُروا ماذا يَقولُ الإمامُ عليه السلام؟ يَقولُ: مَعرِفَتي بِكَ هيَ دَليلي. الكَلامُ صَحيحٌ. يَقولُ: إلهي، لقد عَرَفتُكَ، هذا لا يُمكِنُكَ إنكارُهُ، وأدركتُ أنَّكَ مَوجودٌ، أدركتُ أيَّ ذاتٍ أنتَ وما هيَ أسماؤُكَ وصِفاتُكَ، أدركتُ هذهِ الأمورَ، ولا أستَطيعُ إنكارَ هذا. فَهِمتُ كم هيَ رَحمَتُكَ وعَطفُكَ وإغماضُكَ، وفَهِمتُ كم هوَ عَفوُكَ ومَقامُ رَحمانيَّتِكَ ورَحيميَّتِكَ، أدرَكتُ كلَّ هذا. وعندما أدرَكتُ، فمن الواضِحِ أنَّني لا أستَطيعُ الذَّهابَ إلى مَكانٍ غَيرِ هذا. يَقولُ اللهُ: الآنَ وقد أدرَكتَ هذهِ الأمورَ، كيفَ تُريدُ أن تَدخُلَ؟
يَقولُ الإمامُ السَّجَّادُ عليه السلام: ليسَ لَدَيَّ عَمَلٌ! مَا لِي عَمَلٌ صَالِحٌ أَسْتَوْثِقُ بِهِ. لم أقُم بِعَمَلٍ صالِحٍ لأثِقَ بهِ، فقط جِئتُ إلى هُنا بِأمَلِ كَرَمِكَ ورَحمَتِكَ، قَدْ جِئْتُكَ رَاجِياً. هل كانَ الإمامُ السَّجَّادُ عليه السلام يَمرَحُ معَ اللهِ حقًّا؟ أم يَمرَحُ مَعَنا؟ إذًا ما ذلكَ البُكاءُ وما ذلكَ النَّحيبُ وما ذلكَ السَّهَرُ وتلكَ الجِباهُ التي صارَت عليها آثارُ السُّجودِ؟ إذًا ما آثارُ السُّجودِ تلكَ على الرُّكبَتَينِ؟ من أينَ أتَت هذهِ؟ إذا كانت هذهِ مَوجودةً، فلِماذا يَقولُ: مَا لِي عَمَلٌ صَالِحٌ؟ ليسَ لَدَيَّ عَمَلٌ يَليقُ بالعَرض على حَضرَتِكَ. نحنُ حقًّا لا نَفهَمُ، ولكِن يَجِبُ أن نَفهَمَ في النِّهايةِ. نحنُ لا ندرك لماذا يقول الإمامَ السَّجَّادَ عليه السلام: ليسَ لَدَيَّ عَمَلٌ صالِحٌ، فهل توجَدُ في الدُّنيا صَلاةٌ أعلى من صَلاةِ الإمامِ السَّجَّادِ عليه السلام؟! إذا وُجِدَت فأرونا إيّاها. وهل يوجَدُ رُكوعٌ أعلى من رُكوعِ الإمامِ السَّجَّادِ عليه السلام؟! هل يوجَدُ سُجودٌ أعلى من سُجودِ الإمامِ السَّجَّادِ عليه السلام؟! لو خَلَقَ اللهُ إنسانًا سُجودُهُ هو الأعلى والأسمى، فمَنْ سيكون غَيرَ الإمامِ السَّجَّادِ عليه السلام؟ لن يكون أحدٌ. هم الأئِمَّةَ عليهم السلام؛ أميرُ المُؤمِنينَ والإمامُ الحَسَنُ والإمامُ الحُسَينُ والإمامُ الرِّضا والإمامُ الجَوادُ والإمامُ الهادي والنَّبيُّ صلّى الله عليه وآله الذي هوَ أبوهُم جَميعًا. هؤلاءِ الأربَعةَ عَشَرَ مَعصومًا. لو خَلَقَ اللهُ إنسانًا على وَجهِ الأرضِ يُؤَدّي أعلى مَرتَبةٍ من مَقامِ الخُضوعِ والخُشوعِ والعِبادةِ، فمَنْ هو غَير الأئِمَّةِ عليهم السلام؟! لا أحدٌ. فلماذا يَقولُ الأئِمَّةُ عليهم السلام إنَّنا لم نَقُم بِعَمَلٍ صالِحٍ؟ ما النُّكتَةُ الكامِنةُ هُنا بِحَيثُ أنَّنا عندما نَنظُرُ إلى فِعلِ الإمامِ عليه السلام نَقولُ: وَداعًا لكم! نحنُ ذاهِبونَ، لَسنا هُنا، أينَ نحنُ وأينَ هم؟! وعلى حَدِّ قَولِ القائِلِ: يا عَليُّ، إن كنتَ تأملُ أن نُصلِّيَ الصَّلاةَ التي تُصلّيها أنتَ، فيَجِبُ أن تأخُذَ ذلكَ الأمَلَ إلى حَوضِ الكَوثَرِ. هذهِ صَلاتُنا! وبينها وبين صلاتهم فَرقٌ طَفيفٌ، لا أكثَرَ! سواء لوحظ أم لم يلحظ.
