
مقام الصلاة في مدرسة أولياء الله: بين معرفة العارفين وظاهر العابدين
لماذا قال النبي الأكرم أرحنا يا بلال؟
تستكشف هذه المحاضرة المعرفة الحقيقيّة الموصلة إلى الله، مقارنةً بمعرفة العوام، ومسؤوليّة العالم الأعظم. تبحث في معنى إجلالاً لشأنه العظيم وصلاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام مقارنة بصلاتنا. كما تؤكد على أهمية الثبات والوثوق بالطريق رغم الابتلاءات، مستشهدةً بقصص ومواقف للعارفين كالسيد الحداد والشيخ الأنصاري، لفهم أعمق لمقام الصلاة وشروط السلوك إلى الله تعالى.
مقام الصلاة في مدرسة أولياء الله: بين معرفة العارفين وظاهر العابدين
12لذا يمكنُنا نحنُ أيضًا أن نقولَ بقطعٍ وجزمٍ أنّنا نثِقُ بالطريقَ الذي أُرِيناه، وإن كنّا نحنُ أنفسُنا لا نزالُ بعيدين مسافةً كبيرةً عن الإدراكِ الباطنيِّ والإدراكِ الشُّهوديِّ واللَّمْسِ الخارجيّ واللَّمْسِ والمَسِّ الوِجْدانيّ، حسنًا هناك مسافة تفصلنا عن ذلك، ولكن ما وُضِعَ أمامَنا وما قُدِّمَ لنا وما وُضِعَ في مُتناوَلِ أيدينا من سَعة الصَّدرِ هذه وانشِراحِ الصَّدر، يجعلنا نقولُ مثلَ الإمامِ السجّادِ عليه السلام إنّنا نثِقُ تمامَ الثِّقةِ بأنّ هذا يُوصِلُنا إلى المَقصود، يُوصِلُنا قطعًا ولا شكَّ فيه، لماذا؟ لأنّا رأينا بأنفُسِنا وشاهَدْنا. فنحنُ لم نأكلْ خُبزَ القمحِ ولكن رأيناهُ في أيدي الناس! في النهاية، نحنُ لم نَصِلْ إلى هذا الأمرِ بأنفُسِنا ولكنّنا شاهَدْنا بأعيُنِنا صِحّةَ الطريقِ وإتقانَه في وجودِهم واتّضحت لنا المسألة. لذا يقولُ الإمامُ عليه السلام: هذا هو الأمرُ الذي أثِقُ بهِ تمامَ الثِّقةِ من هذه الناحية، انتهى الأمرُ.
أهميّةُ الوُثوقِ بالطريقِ حتّى لو خالَفَ الظاهرَ
وهذا مهمٌّ جدًّا، وقد قلتُ للرفقاء مرارًا، إذا خطا أحدُهم خطوةً باطلةً ولكنّه خطاها بثقةٍ، فإنّها تُسجَّل صِحيحة وواقعًا، وإذا خطا أحدُهم خطوةً صحيحةً بشكٍّ وتردّدٍ، فلا قيمةَ لها، وعلى الإنسان دائمًا أن يكونَ واثقًا من طريقه، أمّا أنّه لا يعملُ فهذا أمرٌ آخر، سواءً عملَ أم لم يعملْ، اهتمَّ أم لم يهتمّ، فهذا أمرٌ آخرُ وله بحثٌ آخر، ولكن يجبُ أن يكونَ واثقًا من صِحّةِ طريقهِ ومدرستِه ومسارِه، وماذا يعني الوُثوق؟ يعني عندما يقومُ بعملٍ يكونُ مُطمَئنًّا بأنّ طريقه صحيحٌ، وإذا جاؤوا بعد ذلكَ وقالوا: يا فلانُ تفضّلْ! أنتَ الذي كنتَ تقولُ هكذا، الآن رأيتَ كيف أصبحتِ الأمورُ ورأيتَ أنّ الحقَّ كان معنا! حينها لا يتزعزعْ، ولا تدخُل الشُّبهةُ إلى ذهنِه، ولا يطرأُ عليه الشكُّ، ولا يقول: آه! لو كان الطريقُ معنا ولو كان المسارُ معنا لو كانتِ الصِّحّةُ والإتقانُ معنا، لما حصل هذا، فلماذا أصبحَ الأمرُ الآنَ هكذا؟ نحنُ كنّا نرى هذه الفئةَ على باطلٍ وطريقَهم على باطلٍ، والآنَ يبدو أنّ كلامَهم هو السائدُ، فلماذا تحقّقَ مُرادُهمُ الآن؟ ألم تكونوا تقولون إنّ هؤلاءِ ليسوا على حقٍّ وإنّ مسارَهم ليس مسارَ الحقِّ، فلماذا انتصروا في هذه المواجهة؟ ألم تكونوا تقولون هذا الكلامَ؟ ولكن ذاكَ الذي قلبُه قويٌّ، مُنوَّرٌ بنورِ الإيمان يعلمُ أنّه في عالمِ التكوينِ وفي عالمِ التبَدُّلاتِ والتغيُّراتِ والتحوُّلات، لا يسيرُ الزمانُ دائمًا على وتيرةٍ واحدةٍ، أحيانًا يتّجِهُ إلى ذلكَ الجانبِ وأحيانًا إلى هذا الجانب، هو يعلمُ أنّ كلَّ الحوادثِ والأمورِ تنشأُ من جانبِ الله ومشيئتِه، فيومًا ينتصِرُ معاويةُ على عليٍّ عليه السلام ويومًا ينتصِرُ عليٌّ عليه السلام على معاوية، هو يدرك هذا. هو لا ينظرُ إلى أنّ معاويةَ انتصرَ على عليٍّ عليه السلام، إذا كان الأمرُ كذلكَ، فلنُقرِّبِ الأمرَ كثيرًا، لنقُلْ أصلاً إنّ الحقَّ مع ابنِ مُلجَمٍ! ألم يأتِ ويقتُلْ أميرَ المؤمنين عليه السلام وجعله يستشهد؟ في ذلكَ القرارِ الظُّلْمانيِّ والجَاهِلِ والمَشْؤُومِ الذي اتّخذَه أولئكَ الثلاثةُ، أيُّ نتيجةٍ من تلكَ النتائجِ الثلاثِ تحقّقتْ فقط؟ فقط ضربةُ أميرِ المؤمنين عليه السلام. ذهبَ أحدُهم إلى مِصْرَ ليقتُلَ عمرَو بنَ العاصِ، فصادَفَ أنّ عمرَو بنَ العاصِ لم يذهبْ إلى المسجدِ تلكَ الليلةَ وأرسلَ قاضيًا مِسكينًا بائسًا للصلاة، فضربَه السيفُ في رأسهِ وبلغ أجله، وذهبَ آخرُ إلى الشامِ، فالضربةُ التي ضربَها بدلاً من أن تُصيبَ رأسَ معاويةَ أصابتْ قدمَه، ثمّ عالجوهُ بعلاجٍ ودواءٍ ونجا معاويةُ بحياته، من أولئكَ الثلاثةِ، الذي جاءتْ ضربتُه وأصابتِ الهدفَ هو ابنُ مُلجَمٍ الملعونُ الذي جاءَ وقتلَ أميرَ المؤمنين عليه السلام وحقّق شهادتَه. أصابتِ الضربةُ رأسَ أميرِ المؤمنين عليه السلام تمامًا دون مَيْلٍ بمقدارِ مِلِّيمِتْرٍ واحد، في نفسِ المكانِ الذي أصابتْهُ ضربةُ عمرِو بنِ عبدِ وُدٍّ في غزوةِ الخندق، فإذا كان الأمرُ كذلكَ، فالحقُّ مع معاويةَ وأبي سُفيانَ وعمرِو بنِ العاصِ، هم نَجَوْا بحياتِهم وأميرُ المؤمنين عليه السلام قتل بهذه الكيفيّة. كلا، بل ذاكَ السالِكُ الذي جعلَ طريقَه مُتْقَنًا، يجبُ عليه فقط أن يُفكّرَ في المسارِ لا في كيفيّةِ اختلاف الحالات.
