
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
ما هي علّة الحاجة إلى دليل في السير إلى الله تعالى؟ أيّ نوع من الطرق الخفيّة يتسلّل منها الشيطان إلى النفس؟ ما هو المراد من التزيين الشيطانيّ؟ ما هي المهمّة التي يضطلع بها دليل الطريق في مساعدة الإنسان على مواجهة الشيطان؟ ما هي خطورة الوصفات الذاتيّة في علاج النفس؟ كيف نحرم أنفسنا من توفيق الله تعالى؟ ما هي أهمّية البحث عن المرشد والدليل؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي ألقاها في ضمن سلسلة محاضرات لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ.
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
6فإذا لم يكن للعمل الحرام جاذبيّة، فلماذا سيسعى الإنسان لارتكابه؟ ولماذا يرتكب الناس كلّ هذه الذنوب؟ لأنّ لها جاذبيّة. فلو لم تكن للسرقة جاذبيّة ولم تكن مستحسنة، لما وُجِدَ سارقٌ، ولما عاد هناك أيّ سارق في هذا العالم. فنجده يلتذّ عندما يذهب إلى بيوت الناس ويأخذ أموالهم؛ ولو علم أنّه لو أراد أن يذهب إلى بيوت الناس، فإنّه ـ علاوةً على أنّه لن يحصل على أيّ شيء ـ سيُمسَك هناك ويُضرب ضربًا مبرحًا، لما أقدم على هذا العمل أبدًا؛ أ فهل هو أحمق حتّى يقوم بذلك؟! فلماذا سيسعى للقيام بذلك؟ وكذلك الشأن بالنسبة للذي يأتي ويلعب القمار، فإنّه يفعل ذلك لينتصر على الخصم ويحصل على المال، والحصول على هذا المال زينة ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾. ولو علم شخصٌ يقينًا أنّه سيخسر في القمار الذي سيذهب ليلعبه الليلة، فهل سيفعل ذلك؟ سيكون مجنونًا حينئذ! اللهمّ إلاّ إذا كان له غرضٌ آخر، كأن يسعى مثلاً إلى أن يظهر أمام شخص ما...! وكذلك الحال فيما يخصّ العمل الحرام الذي يذهب الإنسان لفعله بسبب المسائل الشهوانيّة التي زُيِّنَتْ له، وجُمِّلَتْ له، وهي مستحسنةٌ لديه؛ فلو علم الآن ما يكمن وراء هذا العمل الحرام من عقوبات وعذابات، ورآها بعينه، لما أقدم على ارتكابه. هذا هو معنى ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾.
تخيّلوا أن تأتي نفس هذه الزينة في المسائل النفسانيّة والمسائل المرتبطة بالأنانيّة والشخصيّة والرئاسة وأمثال ذلك، عندها، ستبلغ الأمور ذروتها وتصبح دقيقة ورقيقة؛ وهناك، يجب اللجوء إلى الله، وإلاّ فإنّ الخمر والكذب والبهتان والسرقة وغير ذلك ـ مع أنّ الكذب والبهتان ونظائرهما أعلى بكثير ـ هي مسائل يتوب منها الإنسان، وإن كان عليه حقّ للناس يُؤدّيه إليهم، وأمّا تلك الذنوب والآثام، فيجب على الإنسان أن يلجأ فيها إلى الله؛ وإلاّ فماذا عساه أن يفعل فيها؟!
مهمّة "دليل الطريق" في مساعدة الإنسان على مواجهة الشيطان
ويُقال "دليل الطريق" لمَنْ لديه اطّلاعٌ على تلك المنافذ النفسانيّة التي يتسلّل منها الشيطان؛ فيسعى هذا الشيطان إلى الدخول من ذلك المنفذ، لكنّ ذلك الدليل يفطن به، فيسدّ عليه الطريق. فنجد [الشيطان] يدخل من طريق الإنفاق، فيقول [الدليل]: «لا تُنْفِقْ».. ماذا؟! إنّ الإنفاق يحظى في الإسلام بأهمّية كبيرة، وجرى التأكيد عليه كثيرًا! فيقول [الدليل]: «مع أنّه مؤكّد، لكن لا تفعله أنت، فما دخلك في ذلك؟». فينزعج ذلك الشخص! لكن، لماذا انزعجت؟! وما الذي حدث؟! أ فهل يجب على الإنسان أن ينزعج إذا لم يُنفق؟! وهنا، يتّضح أنّ شيئًا ما آلمه. وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة لإمامة الجماعة؛ فقد دعاني المسجد الفلانيّ مثلاً لإمامة الجماعة هناك، وطلب منّي المؤمنون ذلك، وكتبوا رسالة مفادها أنّه ليس لديهم إمام جماعة. فيقول [الدليل]: «لا يا سيّدي، لا داعي لأن تكون إمام جماعة، صلِّ في منزلك فرادى». [فيقول ذاك:] لقد تمّ التأكيد كثيرًا في الإسلام على إمامة الجماعة، حيث إنّ ثواب ركعة واحدة تُؤدّى جماعة تساوي كذا، ولدينا في رواية أنّ جميع المأمومين يُعطون ثواب صلاتهم لإمام الجماعة. أ لم تُشاهدوا في بعض الأماكن كيف يُجاملون بعضهم في مسألة التقدّم لإمام الجماعة، ويقول كلّ واحد منهم: «لا يا سيّدي، تقدّم أنت»؟! إنّ هؤلاء لا يعلمون أيّ ثواب يفوتهم! يا سيّدي، إنّ المكان الفلانيّ يفتقر إلى إمام جماعة! [فيقول الدليل:] «كلاّ! اذهب أنت إلى منزلك، وصلِّ هناك فرادى». وفجأةً، ينزعج هذا الإنسان! لا يوجد ما يدعو للانزعاج؛ فلماذا انزعجت؟ لماذا؟ وماذا حصل حتّى ننزعج؟! فإذا لم يصبح الإنسان إمام جماعة، هل سيدعوه ذلك للانزعاج؟ وذلك نظير أن يُقال له: «يا سيّدي، لا تذهب من هذا الشارع، بل اذهب من ذلك الشارع»، فهل هذا يدعو للانزعاج؟ حسنًا، فليذهب من ذلك الشارع، فهذا ليس فليس بشيء ذي بال!
