
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
ما هي علّة الحاجة إلى دليل في السير إلى الله تعالى؟ أيّ نوع من الطرق الخفيّة يتسلّل منها الشيطان إلى النفس؟ ما هو المراد من التزيين الشيطانيّ؟ ما هي المهمّة التي يضطلع بها دليل الطريق في مساعدة الإنسان على مواجهة الشيطان؟ ما هي خطورة الوصفات الذاتيّة في علاج النفس؟ كيف نحرم أنفسنا من توفيق الله تعالى؟ ما هي أهمّية البحث عن المرشد والدليل؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي ألقاها في ضمن سلسلة محاضرات لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ.
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
4فيأتي الشيطان بهذه القوّة والسيطرة ويُجَمِّلُ الأمور للإنسان، لكن، ماذا يعني: يُجَمِّلُ؟ يعني: يُظهِرُ ويُبرز للإنسان مسائل يمكن أن تقع كأداة له في طريق إغوائه لهذا الإنسان. ففي الحروب التي اندلعت بين أمير المؤمنين ومعاوية، حارب عليه السلام هذا الأخير لمدّة ۱۸ شهرًا؛ في حين أنّ هذا المعسكر كانوا يُصلّون وذلك المعسكر كانوا يُصلّون، حيث كان يتواجد في المعسكر الآخر معاويةُ ورفيقه عمرو العاص؛ فكانوا يؤمّون الصلاة، ويضعون العمائم، ويُدخلون طرفها تحت الحنك أيضًا ليعملوا بالمستحبّ؛ إذ يُستحبّ للإنسان الذي يضع العمامة على رأسه أن يتحنّك للصلاة؛ فكانوا يتحنّكون أيضًا، فيُشاهدهم الناس ويقولون: ما شاء الله! إنّه يصلّي، فانظروا كيف يلتزم بمخارج الحروف؛ فهو ينطق حرف العين بغلظة شديدة إلى درجة أنّ الصوت يخرج من مكان آخر! وينطق الضاد من مخرجها بحيث يخرج الصوت من دماغه بدلاً من أسنانه! فهو يُؤدّي هذه المخارج بشكل جميل جدًّا إلى درجة أنّه حينما ينظر إليه الناس، فإنّهم يرونه يُصلّي. ومن جهة أخرى، [يقول معسكر معاوية:] لقد انتصرنا اليوم على عليّ عليه السلام في الحرب، وعندما هجمنا عليهم، تراجعوا قليلاً وهربوا، ولنر ماذا سيحدث غدًا؟ حسنًا، لو كان الحقّ معهم، فلماذا تراجعوا؟ انظروا! هذا هو: ﴿وَلَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾۱ ، سأجمّل لهم العمل، وأزيّن لهم الأمور. ولو كان من المقرّر أن ينتصر أمير المؤمنين عليه السلام كلّ يوم، لانتُزعت وسيلة التزيين من الشيطان، وبقي هذا المسكين من دون وسيلة؛ ولهذا، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام لا يريد أن يبقى الشيطان بلا وسيلة، بل يريد أن يكون الطرفان متساويين دائمًا. انتبهوا جيّدًا لما أقول؛ لأنّها نقطة دقيقة جدًّا أريد أن أطرحها على الرفقاء؛ هذا، مع أنّها واضحة، والرفقاء سمعوا هذه الأمور كثيرًا وهم أهل اطّلاع، لكنّني أعرضها من باب التذكير. حسنًا، اليوم انتصرنا، ولو كان عليّ عليه السلام على حقّ فلماذا انهزم؟ وغدًا أيضًا سيتعادلان. فاستمرّ الأمر ثمانية عشر شهرًا، ممّا يدلّ على أنّ الأمر لم يكن مزاحًا؛ ففي كل يوم من هذه الثمانية عشر شهرًا، كانت هناك حرب.. حرب في الليالي، وحرب في الأيّام، حيث كانت تجري الحرب في كثير من الليالي. ألم تكن لدينا ليلة الهرير؟! ففي تلك الليلة العجيبة، كان هؤلاء يُصلّون، ويقولون: الله أكبر، فيرتفع صوت تكبيرهم،؛ إذ كان العسكر في جيش معاوية يُصلّون ويصدحون بالتكبير، بل لربّما كانوا يفعلون ذلك بنحو أجمل، فيُعيّنون لهذه المهمّة أفرادًا حسني الصوت قليلاً، وما أقوله هنا جادّ وليس مزاحًا! يقولون: لنضع أفرادًا حسني الصوت ليؤذّنوا جيّدًا ويقرأوا القرآن بلحن جميل، فيقول الناس: «يا للعجب! يا لهم من قرّاء جاؤوا بهم! ويا لهم من مؤذّنين أتوا بهم ليُؤذّنوا!»، فيزدادون ثباتًا على موقفهم الباطل، ويحصلون على مرتكز يتّكؤون عليه في طريقهم ومسيرهم الباطل، وتسكن قلوبُهم ويطمئنّ بالُهم. فما أقوله هو أنّنا نحتاج إلى شهر رمضان كامل من أجل توضيح عبارة الإمام السجاد عليه السلام هذه: «مَعْرِفَتِي يَا مَوْلَايَ دَلِيلِي عَلَيْكَ»، وبيان ما الذي يُريد الإمام عليه السلام أن يقوله هنا؛ لأنّ كل ما هنالك هو في المعرفة فقط، والباقي كله خواء وفراغ وفقاعات ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾٢. فيأتي الخطيب، ويصعد المنبر، ويقول: «يا أيّها الناس، تعالوا للدفاع عن دين النبي صلّى الله عليه وآله»؛ مع أنّه ينتمي إلى جيش معاوية نفسه! جيش معاوية نفسه! فلا يقول: تعالوا وادعموا أبا سفيان؛ لأنّه لو قال ذلك، لقالوا له: «من عساه أن يكون أبو سفيان لندعمه!». فالشيطان لا يذكر اسم أبي سفيان بتاتًا، ولا يُشير إليه أبدًا، ولا يقول: «تعالوا وادعموا أبا سفيان»، ولا يقول: «تعالوا وحاموا عن هُبل والعُزّى»، ولا يقول: «تعالوا ودافعوا عن الأصنام والأوثان»، وإلاّ، لما جاء أيّ أحد، ولفرّ الذين اجتمعوا حول معاوية، وقالوا: «ماذا؟! لقد جاء بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ليقول لنا: تعالوا، واتّبعوا هُبل والعُزّى والأصنام وبيت الأصنام وأمثال ذلك». فلا يُمكنه أن يذكر ذلك بتاتًا، وإلاّ، لأغلقوا ملفّه، ووضعوه جانبًا. فإذن، ماذا يقول؟ يقول: «تعالوا ودافعوا عن الله تعالى، فقد ضُيّع، كما ضيّع النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهُدم دينه وتعرّض للدمار، وقُتل عثمان! فيا أيّها الناس، لقد قتلوا خليفة المسلمين، وانظروا، فإنّ قتل الخلفاء قد انتشر بين الناس؛ ولو لم نوقف الأمر، فسيأتي غدًا دور البقيّة، ولن يبقى شيءٌ من النبيّ صلّى الله عليه وآله، ولن يظلّ شيءٌ من الدين!». فيقول مثل هذا الكلام، ثمّ يرفع قميص [عثمان] ليُظهره، فيرى الناس أنّه يقول الصدق، ويقولون: «لقد أمسكوا بخليفة المسلمين وقتلوه، فعلى أيّ أساس قاموا بذلك؟! وطبقًا لأيّ حساب؟! ومع أنّه كان يقرأ القرآن، إلاّ أنّهم أمسكوا به، وضربوه وقتلوه!». لكنّهم لا يعلمون أنّ الذي كان يقرأ القرآن هو نفسه الذي سُفكت بيده وبأمره دماء كثيرة. فالناس لا يعلمون لماذا لم يستمع الذي كان يقرأ القرآن لكلام أمير المؤمنين عليه السلام، ولماذا قسّم بيت مال المسلمين بين أقاربه وعشيرته والمقرّبين منه، ولماذا سلّط الحكّام الفجرة الفسقة الزناة على أموال الناس وأعراضهم. ماذا؟ إنّه يقرأ القرآن! لكن، هل قال له القرآن: تعال وأقدم على هذا العمل؟! وهل قال لك القرآن: تعال وقم بهذه التعدّيات؟! وهل قال القرآن: اضرب عمّار بن ياسر على ظهره واكسر صدره واكسر عظامه؟! هل قال القرآن ذلك؟
- سورة الحجر، الآية ٣٩.
- سورة النور، الآية ٣٩.
