
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
ما هي علّة الحاجة إلى دليل في السير إلى الله تعالى؟ أيّ نوع من الطرق الخفيّة يتسلّل منها الشيطان إلى النفس؟ ما هو المراد من التزيين الشيطانيّ؟ ما هي المهمّة التي يضطلع بها دليل الطريق في مساعدة الإنسان على مواجهة الشيطان؟ ما هي خطورة الوصفات الذاتيّة في علاج النفس؟ كيف نحرم أنفسنا من توفيق الله تعالى؟ ما هي أهمّية البحث عن المرشد والدليل؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي ألقاها في ضمن سلسلة محاضرات لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ.
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
9يُحكى عن هؤلاء الخوارج ـ الذين كانوا يُصّلون صلاة الليل ـ أنّ أحدهم ذهب إليهم، ليلتقي بأحد أقاربه الذي كان ينتمي إليهم؛ وكان قد سمع أنّهم أفراد انفصلوا عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن حكومة الإسلام، وشكّلوا لأنفسهم عصابة وجماعة، وقاموا ضدّ حكومة الإسلام. وكان أحد أقاربه بين الخوارج، فذهب إمّا ليأخذ بيده، أو ليزوره، وعندما اقترب من تلك القبيلة وتلك المنطقة، بدأ جسده يرتجف من صوت مناجاتاهم بالقرآن في جوف الليل، وهو يتساءل: «هل هؤلاء هم الخوارج؟! ـ والقضيّة ليست مزاحًا ـ هل هؤلاء هم الذين سمعنا عنهم؟! هل هؤلاء هم الذين يُقال عنهم إنّهم مهدورو الدم؟! هل هؤلاء هم الذين يُقال عنهم إنّهم كذا؟! هل هؤلاء هم الذين قاموا ضدّ حكومة العصر؟! هل هؤلاء هم الخوارج؟!». لكن، إلى أيّ مدى نفذ هذا القرآن في قلوبهم؟
على أيّ حال، إنّ القرآن كلام إلهيّ، ولكن ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاّ خَسَارًا﴾۱، فهذا القرآن نور للمؤمنين، ولكنّه لغير المؤمنين شقاء على شقاء، وخسارة على خسارة، وظلمة على ظلمة.. لماذا؟ لأنّهم كلّما قرأوا القرآن أكثر، ثبتوا في موقعهم الباطل أكثر؛ فيا ليتهم لم يقرأوا القرآن من البداية! ويا ليتهم تلوا الشعر بدلاً من القرآن! ويا ليتهم طالعوا الصحف والمجلاّت عوضًا عن القرآن! ويا ليتهم قرأوا القصص والروايات بدلاً من القرآن! ولكنّ هذا القرآن يتّصف بالغيرة والعزّة، ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ﴾٢؛ فالمطهّرون هم الذين يجب أن يكون لديهم تماسّ مع القرآن، والقرآن يقول: عندما تفتحونني، افتحوني بِنِية طلب الطريق. وحينما تفتحه للقراءة، افتحه بِنية أن تهتدي إلى الطريق، لا بِنِية أن ينقضي مجلس العزاء عندك، ولا بِنِية أن ينقضي هذا المجلس إلى أن يأتي الواعظ، ولا بِنِية التلاوة لبضع دقائق، حتّى تسخن الأجواء في المجلس ويجتمع المؤمنون! ففي هذه الحالة، أيّ فارق سيكون بين القرآن وبين الرواية والقصّة؟ إنّ للقرآن عزّة، وله غيرة؛ أ فهل هو مجلّة؟! كلاّ!
كيف نحرم أنفسنا من توفيق الله تعالى؟
فعندما تريدون أن تفتحوا القرآن في شهر رمضان المبارك أو في أيّام أخرى للانهماك في قراءته، بأيّة نية تفتحونه؟ لأجل هذا فقط: أنّه عبارة عن آيات جاءت من عند الله، ويُعطى عليها ثوابًا، بحيث كلّ مَنْ يقرأ القرآن يُعطى ثوابًا، فنتلوه، لنكون قد قرأنا جزءًا واحدًا يوميًّا في شهر رمضان، وننال الثواب أيضًا؟! هذا فقط؟! حسنًا، ما الفرق بينه حينئذ، وبين "جلستان سعدي"؟ وهل يوجد فارق بينه وبين الجريدة، سوى أنّ الجريدة ليس فيها ثواب وهو فيه ثواب؟! فعندما نفتح القرآن، يجب أن نعلم أنّ الله يُنَزِّلُ علينا هذه الآيات في نفس ذلك الحين. فكما كان جبرائيل عليه السلام يأتي إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله في غار حراء والمنزل والمسجد، ويُنَزِّلُ هذه الآيات على نفسه المباركة، فإنّه عليه السلام يُنَزِّلُ القرآن عليكم عندما تفتحونه. وحينئذ، هل نستطيع القول إنّ القرآن له ثوابٌ فقط؟! وهل سنكتفي بقراءة جزء واحد يوميًّا لنكون قد قرأنا ثلاثين جزءًا في رمضان، ثمّ نقول: فيه ثواب؟! كلاّ! فهنا، يجب التعامل مع القرآن بطريقة أخرى، وهنا، يجب فتح القرآن بنظرة أخرى، وهي نظرة الهداية، فتقرأ آية، ثمّ تقول فجأة: «يا للعجب، إنّ هذه الآية تنطبق عليّ! يا للهول، ماذا عليّ أن أفعل الآن؟! وكيف يجب أن أتعامل الآن مع هذا الأمر؟! حسنًا، لنتجاوزها الآن!». كلاّ، توقّف! فبدلاً من أن تقرأ جزءًا من القرآن، توقّف هناك، وصفّ حسابك مع هذه الآية، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى آية أخرى؛ لأنّ هذه الآية تخاطبني الآن، وتتحدّث عن ألمي الآن، وقد وضعت يدها بالضبط على موضع ضعفي ونقصي وكدورتي وجهلي ونفسي وعيبي. وحينئذ، اتّخذ قرارًا واحدًا ـ بارك الله فيك ـ واجعل هذه الآية نبراسًا لك.
- سورة الإسراء، الآية ۸٢.
- سورة الواقعة، الآية ۷٩.
