
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
ما هي علّة الحاجة إلى دليل في السير إلى الله تعالى؟ أيّ نوع من الطرق الخفيّة يتسلّل منها الشيطان إلى النفس؟ ما هو المراد من التزيين الشيطانيّ؟ ما هي المهمّة التي يضطلع بها دليل الطريق في مساعدة الإنسان على مواجهة الشيطان؟ ما هي خطورة الوصفات الذاتيّة في علاج النفس؟ كيف نحرم أنفسنا من توفيق الله تعالى؟ ما هي أهمّية البحث عن المرشد والدليل؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي ألقاها في ضمن سلسلة محاضرات لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ.
ضرورة الأستاذ الكامل في طريق السير والسلوك
8وبدلاً من تتلفّظ بالذكر اليونسيّ أربعمائة مرّة، تلفّظ به أربعة آلاف مرّة، وليبارك الله تعالى في ذلك! بل ردّده أربعين ألف مرّة؛ فاللسان يدور، ولا يوجد أيّ بأس في ذلك، وكلّما تعبت، ضع قطعة سكّر نبات في فمك وحبّة من أقراص الفيتامينات لتتقوّى قليلاً، ويدور لسانك أربعة آلاف أو أربعين ألف مرّة. لكن، ما مقدار تأثير ذلك؟ وهل يُمكن لترديد الذكر اليونسيّ أن يزيل ذلك الألم؟ لا والله، لا يمكنه ذلك! وهل يُمكن لقول لا إله إلا الله عشرة آلاف مرّة يوميًّا أن يُرمّم تلك الزاوية، وتلك الثغرة؟ لا والله، لا يمكنه ذلك! فما الذي من شأنه الإصلاح والترميم؟ أن تكفّ عن عملك ذاك، وتسعى للقيام بهذا العمل.. هذا وحسب. ففي ذلك الحين، سيقولون لك بأنفسهم: «ردّد الذكر اليونسيّ كذا مرّة، وقل لا إله إلا الله كذا مرّة»، وسيسعون بأنفسهم لدعمك ومساندتك، من دون أن تحتاج لترديد الذكر أربعة آلاف مرّة، فلا تُتعب نفسك كثيرًا يا عزيزي!
خطورة الوصفات الذاتيّة في علاج النفس
فنحن نُدرك أنّ لدينا ألمًا، لا أنّنا لا نُدرك ذلك، غير أنّنا نسعى لمعالجة هذا الألم بأنفسنا، ووصف الدواء والعلاج من عند أنفسنا؛ ولهذا، لو مرّت مائة ألف سنة، لبقينا متألّمين. هل تظنّون أنّ الذين ابتلوا بالانحراف في الطريق، وظلّوا ثابتين في موقعهم ذاك، كانوا أفرادًا عاطلين؟ بل كانوا يذكرون الله أكثر منّا، ويردّدون الأوراد أكثر منّا، ويُصلّون أكثر منّا، ويصومون أكثر منّا، ويقرأون القرآن أكثر منّا، وكانوا من الذين يختمون القرآن كلّ ثلاثة أيّام، فأيُّ واحدٍ منّا يفعل هذا؟ ختمة قرآن كلّ ثلاثة أيّام! وأنا أعرف بعضهم كانوا يختمون القرآن كلّ يوم! حسنًا، ما ثمرة كلّ ذلك؟ هي هذا! فهذا الختم وهذا الورد وهذا التسبيح إنّما يؤثر إذا كان في سياق علاج الألم، لا أن يكون طريق الإنسان في اتّجاه [خاطئ]، ثمّ يسعى هذا الإنسان لتلاوة القرآن باستمرار!
كان الخوارج يقرأون القرآن أيضًا، وكان الحجّاج بن يوسف الثقفيّ يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وكان معاوية يحفظ القرآن أيضًا عن ظهر قلب، لكن، ليس كلّ القرآن، بل أكثره. وكان الخليفة الثالث عثمان يقضي معظم وقته في النهار في قراءة القرآن.. عثمان نفسه! لكن، ما فائدة ذلك؟ وأيّة نتيجة تترتّب على هذه الأمور؟ لا شيء! فهو عبارة عن مجرّد التذاذ نفسانيّ و ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾، هذا فقط. فما المراد من: يُزيّن لهم؟ يعني: لا تظنّوا أنّ عثمان لم يكن يتلذّذ بقراءة القرآن تلك، كلاّ، بل كان يتلذّذ حقًّا بقراءة القرآن، غير أنّ هذه اللذّة أشدّ ظلمةً من الليل الحالك ألف مرّة، وأشدّ كدورة وعفونة ألف مرّة من كل شيء مكدّر ومتعفّن، فقد كان هؤلاء يتلذّذون [أيضًا].
