
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
8نقل والدُنا رحمه الله عن السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه أنَّه كان يعاني من شظف العيش لمدّة اثنتي عشرة سنةً في فترةٍ من الفترات؛ ذلك الإنسان الذي نعتقد نحن بأنَّه قادرٌ على فعل أيِّ شيءٍ، بل وذلك ممَّا رأيناه بأعيننا سوى ما سمعنا به عن مثل هذه الأشياء؛ فقد كان قادرًا على كلِّ شيءٍ، غير أنَّه لم يكن يحاول أن يزيغ عن النظام والتقدير الإلهي ذات اليمين أو ذات الشمال، فلو فعل مثل ذلك لخَسِر. لعلَّ حياته المادية ستتحسَّن، ولعلَّ بعض الأمور ستتغيَّر، غير أنَّ الأمر المهمَّ هو أنَّه سوف يخسر.
وهذا هو النهج الصحيح. إنَّ المدرسة المبنيَّة على أساس جعل حركة الإنسان الفطرية ترتكز على التوحيد، هي المدرسة الصحيحة.
إنَّ الله يقول في القرآن عن النبيّ صلّى الله عليه وآله الذي لا يوجد مَنْ هو أعلى منه، يقول: يا أيُّها الناس: لا تتصوَّروا أنَّ هذا النبيَّ صلّى الله عليه وآله، ولمَّا كان هو خاتم الأنبياء، ولمَّا كان هو أعظم من جميع الأنبياء والمرسلين وهو أشرف الكائنات-إنَّ كلَّ ذلك صحيحٌ ومحفوظٌ في محلِّه- ولكن لا تتصوَّروا بأنَّه يرى في ذلك منقبةً له، فيتفاخر به على الآخرين، ويقول: لقد تُوِّجتُ بتاج الرسالة، وصرت صاحب ولاية على جميع العالم وكذا وكذا، كلَّا، ليس الأمر هكذا، بل إنَّنا نرى الله يقول عنه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}۱، أي لو أنَّه غيَّر في الكلام، فزاد أو أنقص كلمةً منه من عنده، ولو أنَّه نسب كلامًا واحدًا لي [لم أقله]، لضغطتُ عليه بقدرتي ولقطعتُ عِرْقَ رقبته؛ إنَّ الوَتين يعني عِرْق الرقبة، والذي هو عِرْق النُّخاع؛ أي: لقطعتُ له عِرْقَ رقبته، ولطرحتُه أرضًا كالميِّت، حيث لا يستطيع أيُّ أحدٍ الوقوف بوجه إرادتي. وهذا من إعجاز القرآن.
إنَّ أهمِّيَّة الإسلام تكمن في هذا الأمر أساسًا؛ ولقد قَبِلنا الإسلام من أجل ما جاء فيه من الخصائص؛ فلا يستطيع أيُّ إنسانٍ أن يقف في وجه إرادة الله، ولا يستطيع أيُّ أحدٍ أن يستعرض عضلاته أمام قدرة الله. فإنْ كان الله يقول ذلك الكلام بحقِّ رسوله صلّى الله عليه وآله، فسيعرف الآخرون مصيرهم.
- الحاقة (٦٩) الآيات ٤٤-٤۷
