
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
6خطأ نظريّة بعض المتكلِّمين حول جزافيّة التكاليف الإلهيّة
يعتقد بعض المتكلِّمين بإمكانيّة وجود عملٍ يستطيع تقريب الإنسان إلى الله غير أنَّ الله لم يأمر به بل نهى عنه؛ وذلك لكونه هو الخالق والأمر يعود إليه؛ فقد يقول أريد هذا الشيء أو لا أريد ذاك، وأنا الذي أختار هذا الأمر أو لا أختار ذاك على الرغم من أنَّه يوصل الإنسان إلى هدفه.
إنَّ مثل هذا الكلام مردودٌ بأدلّةٍ عديدةٍ، أحدُها: إنَّ عمل الله ليس مِزاجيًّا، ولا نفسانيًّا. إنَّنا وعندما نقول: أريد هذا ولا أريد ذاك، فعلى أيِّ أساسٍ يُبنى هذا الأمر؟! إنَّه إمَّا أن يكون مبنيًّا على أساس الواقع؛ فعندما يكون شيءٌ ما مضرًّا للطفل، فالإنسان يمنعه منه. على أيِّ أساسٍ يُبنى هذا المنع؟ إنَّه يُبنى على أساس أمرٍ واقعيٍّ؛ فلمَّا كان مبنيًّا على أساس الواقع، فلا بدَّ من منع الطفل منه ولا يجوز وضعه في متناول يده، وإنْ لم يكن هناك ضررٌ في واقع الأمر عليه، بل قد يكون مفيدًا له، فبأيِّ أساسٍ يُمنع منه؟ فسيكون الداعي وراء المنع في مثل هذه الحالة داعيًا نفسيًّا. أتلاحظون؟! إنْ كان هنالك أمرٌ نراه مفيدًا لنا في واقع الأمر، ولا يوجد دليلٌ عقليٌّ أو منطقيٌّ على خلاف ذلك، ونرى فيه خيرَنا وصلاحَنا، فبأيِّ مِلاكٍ ولِحاظٍ نعمل على تركه؟
إنَّ الله لا ينهى عن القيام بشيءٍ على أساس الحبِّ والبُغض وذلك لعدم وجود نفسٍ له ولا أنانيّة له كما هوحالنا، فالكبرياء والعظمة مختصَّةٌ به وليس لنا نصيبٌ منها، فلماذا نقوم هنا بوضع أقدامنا في مكانٍ لا يليق بنا، ونعمل على التدخُّل فيما هو من اختصاص الله؟ إنَّ ذلك غير مسموحٍ به حتّى للنبيِّ صلّى الله عليه وآله.
ومن عجائب ما جاء في القرآن المجيد بيانُ الله تعالى لموضوع التوحيد في القرآن بالشكل الذي لا يدع مجالًا لأحدٍ بالتفكير.
سعة رحمة النبيّ صلّى الله عليه وآله حتّى تجاه ألدِّ خصومه وأعدائه
هل تعرفون أحدًا هو أشرفُ مقامًا من النبيّ صلّى الله عليه وآله؟! إنَّه أشرفُ جميع المخلوقات، وكلُّ عالَم الوجود في خدمته، ومع هذا، فعندما ضايقوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وجعلوه يلجأ إلى الجبال، وضربوه بالحجارة وأدموا قدميه ووجهه، وقامت قريش بتجنيد أطفالها من أجل إيذائه، الأمر الذي جعله يلجأ إلى الجبال، جاءه جبرائيل عليه السلام في مثل هذا الموقف وقال له: إِنَّ اللَّهَ يُقْرِؤُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: لَقَدْ وَضَعْتُ كَافَّةَ قُوَى الْعَالَمِ تَحْتَ تَصَرُّفِكَ؛ فَالرِّيَاحُ وَالْأَرْضُ وَالصَّوَاعِقُ جَمِيعُهَا تَحْتَ تَصَرُّفِكَ. ما الذي كنَّا سنفعل لو وُضِعَت تحت تصرُّفنا واحدةٌ من هذه القوى؟ كنَّا سنقلب الدنيا رأسًا على عَقِب! قال الله للنبيّ صلّى الله عليه وآله: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَىٰ قَوْمِكَ، فَافْعَلْ. ما الذي فعله هذا النبيُّ صلّى الله عليه وآله الذي جعل الله كافَّة تلك القوى تحت تصرُّفه؟ إنَّه قال: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»۱. إنَّ لسان حال النبيّ صلّى الله عليه وآله يقول: ما دمتُ مخوَّلًا في الاستفادة من هذه القدرة التي منحني الله إيَّاها، فلماذا لا أستغلُّها في الخير؟ إنَّه أمرٌ مهمٌّ جدًا.
- ورد قريب من هذا المعنى في كثير من كتب السيرة والحديث عند الفريقين كما في صحيح البخاري رقم ٣٤۷۷ومسلم ۱۷٩٢رقم وكذلك مجموعة ورام المجلد الأول ص۱۸٦
