
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
5ولهذا السبب جاء في الروايات أنَّ «الْمَاءَ الْبَارِدَ ضَارٌّ لِلْمَعِدَةِ» ؛۱ حيث ستحصل ردَّةُ فعلٍ للمعدة تجاه هذا الماء البارد ويؤدِّي ذلك إلى اختلال نظام عملها. فإن قمنا بمراعاة هذه الأمور، سنكون قد حافظنا على صحَّتنا وسلامتنا،وإلَّا، فسوف نمرض.
وهكذا الحال بالنسبة إلى المسائل النفسيّة؛ فقد وضع الله طريقًا لتكامل النفس. لو كانت لنا القدرة على إجبار الله على تغيير ذلك، لكان هذا أمرًا آخر، غير أنَّ هذا ممتنعٌ؛ فالطريق الذي رسمه الله لتربية النفس ورُشدها هو طريقٌ غير قابلٍ للتغيير؛ ولا يمكن تبديله لا بواسطة النبيِّ صلّى الله عليه وآله ولا الإمام عليه السلام ولا أيِّ إنسانٍ آخر، ولا بواسطتي أنا ولا أنتم. فكما أنَّ صحة وسلامة البدن ليست بيد أحدٍ، بل هي أمرٌ تكوينيٌّ، فهكذا المسائل النفسية؛ هي من هذا القبيل.
يقول الله تعالى في الآية: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} إنَّ هذه الفطرة التي وضعها الله في الإنسان، وهذه الكيفية الوجودية والاستعدادية التي جعلها الله في بني البشر، هي بإرادة الله واختياره؛ فالله قد فطر الإنسان على هذه الفطرة؛ ولهذا يقول الله: هناك فطرتان وهما: الفطرة الأولى والفطرة الثانية؛ فالفطرة الأولى هي عبارةٌ عن ناموس عالَم الوجود وحقيقته، والذي هو عبارةٌ عن الحقِّ المطلَق والنور المطلَق الذي هو وجود الله الممتلئ فيضًا والفيَّاض، فهذه هي الفطرة الأولى والتي تعني أنَّ وجود الله هو الحقُّ المَحْض، وأنَّ آثار الله وصفاته هي الحقُّ المَحْض، وأنَّ الرَّشَحات الوجودية لله هي حقٌّ مَحْض؛ فكافَّة أسماء الله وصفاته وكافَّة هذه الآثار الوجودية تدور حول محور ذات الله، فهذه هي الفطرة الأولى. وعلى هذا الأساس خُلِقَت الفطرة الثانية والتي هي الفطرة البشرية؛ فلمَّا كان الله يمتلك اسم الرحيم، فإنَّ للإنسان اسم الرحيم أيضًا، ولمَّا كان للّه صفة العطف، فالإنسان كذلك، ولمَّا كان للّه آثار العلم وله قدرةٌ، فكذلك الإنسان. إنَّ الله قد جعل كافَّة خصائص أسمائه وصفاته في هذه النفس بشكلٍ مُجملٍ، ولأجل الوصول إلى تلك الفطرة الأولى التي هي عبارةٌ عن الحقِّ المَحْض، جعل الله الشرائع.
- وسائل الشيعة للحر العاملي ج۱باب ۱٣الطبعة الإسلاميّة ص٣۷٢عن الفقيه والمجالس
