
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
23هنالك روايةٌ عمَّا حصل بين فاطمة الزهراء سلام الله عليها وابنِ أمِّ مكتومٍ الضرير عندما طرق باب السيِّدة الزهراء عليها السلام. إنْ أراد أولئك الناس أن يفسِّروا الرواية بمعنىً آخر، فذلك متروكٌ لهم، فهي حكايةٌ تاريخيةٌ لا شكَّ فيها. طرق ابنُ أمِّ مكتومٍ الباب، فخرجت السيِّدة الزهراء سلام الله عليها لكي تفتح الباب، وعندما علمت بأنَّه ابنُ أمِّ مكتومٍ تنحَّت جانبًا، فقال لها النبيُّ صلّى الله عليه وآله: «لِمَاذَا تَنَحَّيْتِ جَانِبًا، فَهُوَ رَجُلٌ أَعْمَىٰ؟» فكان جواب السيِّدة الزهراء عليها السلام بهذا الشكل: «صَحِيحٌ أَنَّهُ لَا يَرَانِي، وَلَٰكِنْ أَلَا يَشْعُرُ بِوُجُودِي كَامْرَأَةٍ؟!»۱ أتلاحظون؟ لقد كان هذا الكلام، هو كلام السيِّدة الزهراء عليها السلام، وهو كلامٌ قد صدر، وتستطيع أنت أن تستنتج منه الكثير. إنْ كان هنالك مَنْ يحاول أن يفسِّره بشكلٍ آخر ويربطه بالظروف المكانية والزمانية، فسيكون هذا الأمر خارجًا عن كيفية تفكيرنا وتعقُّلنا بالطبع، وسيكون هو المسؤول عن كلامه. فيجب على الإنسان رجلًا كان أو امرأةً أن يقتدي بسيرة سيِّد الشهداء عليه السلام.
عندما أرادت السيِّدة زينب عليها السلام أن تخرج من المدينة، تحرَّكت قافلة سيِّد الشهداء عليه السلام منتصف الليل، هذا أولًا، وثانيًا، ومن أجل أن لا تقع عينُ غريبٍ على السيِّدة زينب عليها السلام والأُخريات، أحاط شباب بني هاشم من محارم زينب عليها السلام بالهودج لكي لا يراهنَّ غريبٌ عند صعودهنَّ، فهكذا جِئنَّ إلى كربلاء، فكان يجب عليكم أن تخبروا الناس بهذا أيضًا. إنَّهنَّ جِئنَّ إلى كربلاء بهذا الشكل، ولم يكن لدى زينب عليها السلام غطاء رأسٍ في مجلس يزيد، فكانت تحاول تغطية رأسها بعباءتها، ولو لم تكن وجوه بنات سيِّد الشهداء عليه السلام مكشوفةً في مجلس يزيد، لما طلب ذلك الرجل من أصحاب يزيد، وقال: «هَبْ لِي هَٰذِهِ الْجَارِيَةَ» فلا بدَّ وأنْ يكون قد رأى وجهها، فإلى هذا الحدِّ بلغ الوضع بهم.
وهكذا هو الأمر عندما تتعلَّق الإرادة الإلهية. وعليكم أن تعرفوا أنَّ سَبْيَ السيِّدة زينب عليها السلام وأهلِ بيتِ سيِّد الشهداء عليه السلام كان أهمَّ وأكثر إيلامًا وأذىً من قضية كربلاء نفسها. إنَّ الرجل يكون مستعدًّا لكي يموت عشر مرَّاتٍ على أن لا تُمسَّ غيرته، وهذا الأمر يعكس مقدار إخلاص سيِّد الشهداء عليه السلام وتسليمه لأمر ربِّه ورضاه به رضًا مطلقًا، وهو ممَّا لم يحصل منه بمقدار رأس الإبرة للأنبياء السابقين عليهم السلام، فمتى حصل لهم مثل هذا الشيء؟! لم يحصل لهم شيءٌ من ذلك أبدًا. كيف يستطيع نبيٌّ من الأنبياء أن يقوم بما قام به الإمام الحسين عليه السلام؟! إنَّ ما قام به سيِّد الشهداء عليه السلام فريدٌ من نوعه، ولا يستطيع أيُّ أحدٍ غيره أن يقوم به.
- و رد هذا المضمون في رواية عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم السلام انظر بحار الأنوار ج٤٣ص٩۱-٩٢
