
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
21٣-مجالس الذكر
سؤال: يتعلَّق هذا السؤال بحضور مجالس الذِّكر.
الجواب: إنَّ حضور مجالس الذِّكر أمرٌ لازمٌ جدًا، وتترتَّب عليه الفائدة. كما كنتُ ذكرتُ هذا الأمر سابقًا، فإنَّ الطريق إلى الله غير مقتصرٍ على نوعٍ واحدٍ من الرؤية والفكر؛ بل إنَّ ما هو مطلوبٌ من السالك تجاه ربِّه هو خلوص النيَّة وصفاء الباطن وإخلاص العمل؛ فأينما تحقَّقت هذه الشروط، فسيكون هذا الأمر ميسورًا. يسأل البعض ويقول: لماذا نذهب لزيارة الأئمّة عليهم السلام؟ فنحن نرى كلَّ ذلك التأكيد على ضرورة زيارة الإمام الرضا وسيِّد الشهداء عليهما السلام على سبيل المثال! أفما كنَّا نستطيع أن نُخلِص قلوبنا ونزورهم من مكاننا دون الحاجة إلى صرف شيءٍ من المال؟ إنَّ الذهاب إلى الزيارة يعني الاستفادة الحضورية من البركات النازلة على تلك البقعة نتيجةً للعناية الخاصَّة للروح وارتباطها بذلك البدن. لماذا يُوصى بالذهاب إلى المقبرة وزيارة القبور؟ وذلك لكون الروح لها تعلُّقٌ بذلك البدن، وارتباطها به يكون أكثر. من المؤكَّد أنَّ التأثير الموجود في البقعة المنوَّرة للإمام عليِّ بن موسى الرضا عليهما السلام وأرواحنا فداه هو أكثر من الأماكن الأخرى مع كون ولاية الإمام عليه السلام ولايةً عامَّةً لا شأن لها بالمكان، لكون الأمر يخرج عن الطبيعة المادية والفيزيائية، بل إنَّه يتعلَّق بما وراء المادَّة؛ حيث لا يكون للمكان والزمان وجودٌ هناك، غير أنَّ الكلام هو: إنَّ الذهاب إلى هذه الأماكن يعني التقدُّم خطوةً لأجل الوصول إلى المعشوق والمطلوب والمحبوب وهو الإمام الرضا عليه السلام، حيث يكون الخير النازل مترتِّبًا على هذه النكتة.
إنَّ مَنْ يستطيع أن يذهب للزيارة عندما تكون ظروفه مساعدةً لذهابه، فليذهب، ومَنْ لم تكن ظروفه مساعدةً على ذلك، فتقتضي العدالة الإلهية والفيض المطلَق له الذي يعمُّ جميع الناس؛ فهي تقتضي أن يُشمَل هذا الإنسان بهذا الفيض وكما يحصل لمَنْ تكون ظروفه مساعدةً إذ إنَّ توفُّر الظروف لا يكون بيد الإنسان نفسه. بناءً على هذا، فإنْ كان الفيض مقتصرًا على توفُّر الظروف المناسبة والتي لا تكون بيد الإنسان، فسيكون ذلك ظلمًا؛ فحرمان مَنْ لا يستطيع الذهاب، سيكون من الظلم، ولهذا يُوصى مَنْ لم يستطع الذهاب إلى الزيارة، أن يزور عن بُعدٍ، وسيكسب نفس ثواب مَنْ يذهب، على أنَّ مَنْ تتوفَّر له الظروف وفقًا لإمكانيَّته لا خارجًا عنها، فمن الطبيعيِّ له أن يذهب.
