
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
18كان المرحوم العلامة رضوان الله عليه يقول: يَأْتِينِي الْبَعْضُ فَيَقُولُ: أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تُنْجِزَ لِي هَٰذَا الْعَمَلَ أَوْ ذَاكَ.[فكان يقول:] وَمَنْ أَكُونُ أَنَا! وهذا هو واقع الحال، فلم يكن يرى لنفسه فيما بينه وبين الله أيَّة فضيلةٍ أو امتيازٍ لكي يقوم بعملٍ لهذا أو ذاك، أو أن يقوم بترجيح أحدٍ على آخر، فلا يمكن أن يخطر مثل هذا الشيء في مخيَّلته أبدًا. كان يقول: إِنَّ مَا يَقُومُ بِهِ الْأَصْدِقَاءُ يَصِلُنِي بِشَكْلٍ تِلْقَائِيٍّ. أي إنَّه وعندما يقوم أحدٌ بعملٍ ما، فسيتَّصل أحد جوانبه بالله، ويتَّصل الجانب الآخر منه بي؛ ويحصل هذا الأمر بشكلٍ تلقائيٍّ؛ فلو قام أحدٌ بعملٍ خاطئٍ، فهو يستشعره في نفسه ويعرف به. كيف له أن يعرف؟! إنَّ الأمر هو على هيئة ثلاثة أضلاع المثلَّث، حيث يكون الله على رأس المثلَّث، ويكون التلميذ عند إحدى الزوايا والأستاذ الكامل الذي هو النبيُّ صلّى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام أو إنسانٌ آخرُ عند الزاوية الأخرى؛ فيكون الثلاثة على ارتباطٍ ببعضهم. عندما يقوم هذا الإنسان بعملٍ ما، فسيصعد العمل إلى الأعلى لينزل على قلب الأستاذ، فيشعر الأستاذ بكدورةٍ تجاه ذلك الإنسان. إنَّ ذلك الأمر يحصل بشكلٍ تلقائيٍّ شاء الإنسان أم أبى، وهكذا الأمر بالنسبة إلى العمل الصالح. لذا فقد كان المرحوم العلامة رضوان الله عليه يقول: أَشْعُرُ فَجْأَةً بِأَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ قَامَ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ. إنَّ المرحوم العلامة لم يكن يقول لنا كلَّ شيءٍ، بل كان يقوله على هيئة إشارةٍ، يقول: «يَحْصُلُ لِي شُعُورٌ بِأَنَّ ذَٰلِكَ الإنسان قَدْ قَامَ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ شُعُورًا جَيِّدًا، كُنْتُ أَرَىٰ بِأَنَّهُ قَدْ قَامَ بِعَمَلٍ حَسَنٍ. إنَّ الأمر يحصل بشكلٍ تلقائيٍّ، من دون أيِّ تأخيرٍ ولو لمدَّة ثانيةٍ واحدةٍ، بل بمجرَّد أن يحصل العمل، يحصل الشعور به.
حضرتُ لدى المرحوم العلامة يومًا وكنتُ في الليلة السابقة قد قمتُ بعملٍ معيَّن؛ إنَّ ذلك العمل لم يكن عملًا خاطئًا، بل لم يكن في محلِّه؛ كأن أكون أخبرتُ أحدًا بأمرٍ، ولم يكن هذا الإخبار في محلِّه. ولم يكن أحدٌ على اطِّلاعٍ بهذا الموضوع. وفي صباح اليوم التالي حضرتُ عنده وجلستُ. كان مشغولًا بالكتابة، وكنتُ مشغولًا إلى جنبه وفي مكتبته بالكتابة أيضًا، وبينما كنتُ أكتب خطر على ذهني مرَّةً واحدةً -هذا هو ما أقصده من التواصل الآني والتلقائي- هذا المعنى وهو: أنِّي قمتُ البارحة بعمل كذا، وقد حصل ذلك بدون أيَّة مقدِّمات. ما أنْ وَرَدَ هذا المعنى على ذهني، حتّى رفع المرحوم العلامة رأسه وقال: «يَا سَيِّدَ مُحْسِنُ »، قلتُ: نعم يا سيِّدي، قال: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}. أتلاحظون؟! ثمَّ أطرق رأسه إلى الأسفل واستمرَّ بالكتابة. نعم، هكذا يكون الارتباط التلقائي؛ فهو يأتي من هناك إلى هذا الطرف وينتقل منه إلى هناك. على أنَّ أصل الموضوع هو هناك، ويأتي المستنسَخ منه إلينا. إنَّ أصله هناك، فلا تعتقد بأنَّك تستطيع أن تفعل ما تريد. قال: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} في الوقت الذي لم يكن فيه أحدٌ يعلم به، ولقد حصل مثل هذا الشيء مع كافَّة الأصدقاء خلال ارتباطهم بالمرحوم العلامة.
