
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
آفاتُ السُّلُوكِ: الانْشِغَالُ بِالآخَرِينَ والغَفْلَةُ عَنِ النَّفْسِ
ما هو الدِّينُ الحَنيفُ وما علاقتُهُ بالفطرةِ الإنسانيَّةِ؟ كيفَ تكونُ آدابُ مجالسِ الذِّكرِ وأهميَّةُ الحضورِ القلبيِّ فيها؟ كيفَ يؤثِّرُ الانشغالُ بأحوالِ الآخرين والفضولُ سلبًا على مسيرةِ السالكِ؟ ما هو دورُ الوليِّ الإلهيِّ في الإرشادِ؟ وما هو السبيلُ الأمثلُ لسيرِ المرأةِ نحو الكمالِ ضمنَ إطارِ الفطرةِ الإلهيّةِ؟ تُجيبُكَ هذه المحاضرةُ لسماحةِ آيةِ الله السيِّد محمد محسن الحسيني الطهراني (قدّس سرّه) عن هذهِ الأسئلةِ وغيرها، مُستعرضةً تجاربَ وقصصًا عن كبارِ العرفاءِ كالعلامةِ الطباطبائيِّ والسيِّد القاضي والسيِّد هاشِم الحدَّاد ووالدِهِ العلامة الطهراني (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين).
اتباعُ الدِّينِ الحَنيفِ المُوافِقِ للفِطْرَةِ الإلٰهِيَّةِ
13ما شأنك بهذا الأمر يا هذا؟! وكان يقول: لِمَاذَا لَا يَأْتِي فُلَانٌ مِنَ النَّاسِ إِلَىٰ هُنَا؟! فهكذا كان دأب هذا الرجل؛ فكان يتكلَّم عن الناس وينتقدهم في غيابهم.
كان عمري في ذلك الوقت سبعة عشر عامًا، وكنتُ أعترض عليه عندما أرى منه مثل هذه التصرُّفات، فكان يجيبني ما خلاصته: إنَّ إدراك هذه الأمور أعلى من مستواي، وكنتُ أقول له: لا علم لي بما تقول، ولكنِّي أرى أنَّ طريقة التعامل هذه خاطئةٌ، فلا ينبغي لك أن تتكلَّم بوجود السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه. ثمَّ ماذا كانت نتيجة الأمر؟! لقد كان هذا الرجل يسير ويسير، وكانت تلك النفس التي لم تُصلَح بعد، تتصدَّر. نعم، كان يسير بمثل هذا النوع من التفكير وهذه الرؤية، حتّى وصل به المقام إلى الحدِّ الذي جعله يقف بوجه السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه. لقد كان وإلى الآن، يقف بوجه الآخرين، ثمَّ تطوَّر به الأمر شيئًا فشيئًا، مترافقاً ذلك مع انكشاف بعض المسائل له، ورؤيته لبعض الأمور، ونظرًا لعدم خضوع نفسه للتربية الواقعية، ولكون المكاشفة والمشاهدة التي كانت تحصل له تعمل على صناعة مزيج يجعله يقف بوجه أستاذه. فهل لاحظتم؟! عند وصوله إلى هذه المرحلة، وصل إلى طريقٍ مسدودٍ، حيث قيل له: اخْرُجْ، ولهذا نرى كيف كتب المرحوم العلامة بأنَّ السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه قد طرده.
بعض القدرات الخارقة لخلف زاده طريد السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه
كان هذا الرجل الذي كلَّمتكم عنه قادرًا على القيام ببعض الأعمال العجيبة، سأحكي لكم عن واحدةٍ منها: خرجتُ بمَعيَّته من بيت السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه من أجل شراء بعض الخضروات والفاكهة لإعداد طعام الغداء، كانت نيَّتنا أن نذهب إلى الحرم للزيارة أولًا، ثمَّ ومع اقتراب وقت الظهر، نقوم بشراء ما نحتاج إليه ونعود. خرجنا من البيت، فقال لي: قَبْلَ أَنْ نَذْهَبَ إِلَى الْحَرَمِ، دَعْنَا نَذْهَبُ إِلَى الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ فِي أُسْتْرَالِيَا لِنَتَجَوَّلَ قَلِيلًا، ثُمَّ نَعُودُ، فقلتُ له: لا، أنا لا أقوم بمثل هذه الأعمال، فقال: لَا بَأْسَ بِذَٰلِكَ، فَسَوْفَ لَنْ نُخْبِرَ أَحَدًا بِمَا جَرَىٰ، قلتُ له: اذهب إلى السيِّد الحدَّاد رضوان الله عليه واستأذن منه أولًا، ثمَّ خذني معك إلى أيِّ مكانٍ تشاء؛ فخذني إلى هذا الجانب من العالم أو ذاك، أو إلى القمر، ولقد أصرَّ على ذلك كثيرًا وقال: سَوْفَ لَنْ يَسْتَغْرِقَ ذَٰلِكَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سَاعَةٍ، فَنَذْهَبُ فِي رُبْعِ سَاعَةٍ وَنَعُودُ فِي رُبْعٍ وَنَبْقَىٰ عَشْرَةَ دَقَائِقَ. نعم، لقد كان يقوم بمثل هذه الأعمال، على أنَّني ذكرتُ لكم أبسطها؛ فلا أذكر الأشياء الأخرى التي كان يستطيع أن يقوم بها، غير أنَّني ومع كوني في السابعة عشرة من عمري، بل وحتّى في سنٍّ أقلَّ منها، كنتُ أرى أنَّ القيام بمثل هذه الأعمال من دون استشارة الأستاذ عملٌ خاطئٌ. لم أذهب معه، وقلتُ له: لا آتي معك، فلنذهب لشراء الخضار ونعد، فما معنى القيام بمثل هذه الأعمال؟
