
محوريّة العقل في السير والسلوك
المحور الأهمّ في العبادة والقرب من الله
ما هي مكانة العقل في عمليّة السلوك إلى الله عزّ وجلّ؟ وهل من ضرورة للعقل المتّصل بالغيب في تولّي المسؤوليّات الاجتماعيّة؟ ولماذا لا يجوز التعويل على المكاشفات والمنامات في عالم العرفان؟ وما أهمّيّة مراعاة الدقّة والإتقان في التعلّم والعمل؟ ومتى يشكّل العلم الظاهري خطرًا على الإنسان؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال الحديث الشريف: «يا علي إذا تقرّب العباد إلى خالقهم بالبرّ فتقرّب إليه بالعقل تسبقهم».
محوريّة العقل في السير والسلوك
2أعوذُ باللَهِ من الشيطانِ الرجيم
بسمِ اللَهِ الرحمنِ الرحيم
والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا ونبيّنا
وحبيبِ قلوبنا وطبيبِ نفوسنا أبي القاسمِ محمّدٍ
صلّى الله عليه وآله اللَّهُمَّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ
وعلى آلهِ الطيّبينَ الطّاهرينَ، لا سيّما بقيّةِ اللهِ في الأرضينَ عليه السلام
أرواحُنا لِتُرابِ مَقدمِهِ الفِداء ولعنةُ اللهِ على أعدائِهم أجمعين.
وأنا في طريقي إلى هنا، فكّرتُ وقلتُ في نفسي: ما هو الموضوع الذي سأتكلّم به مع الأصدقاء؟ فقلت: لو كان هذا المجلس مجلسَ سؤالٍ وجوابٍ، فلعلّه سيكون أفضل، فليُطرَح سؤالٌ في أيّ مجالٍ كان؛ سواءٌ كان ذلك في المجال العائليّ أو السلوكيّ أو العلميّ - عدا المسائل الفقهيّة بالطبع؛ فالبحثُ عن تلك المسائل إنّما هو في مكانٍ آخر - بل حتّى وإن كانت المسألة التي يُسأل عنها فقهيّةً ولكن هي من تلك المسائل التي يعاني منها عامّة الناس. فعلى أيّة حال، ما دام لدينا الوقت اللازم، فليتمّ طرح مسألةٍ أو أيّة مشكلةٍ عالقةٍ في الذهن، ليتمّ الحديث عنها بشكلٍ شفّاف.
ولكن وقبل البدء بطرح الأسئلة والإجابة عليها، أرى من المناسب أن أتكلّم لعدّة دقائق عن ملاك العقل وعن المِلاك الذي تتّبعه سائر الفِرَق والمدارس.
أهمّيّة العقل في تحصيل القرب من الله عزّ وجلّ
قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: «يَا عَلِيُّ إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى خَالِقِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ أَنْتَ بِأَنْوَاعِ الْعَقْلِ تَسْبِقْهُمْ».۱
أي: إذا رأيتَ الناسَ تطلبُ القربَ إلى الله بأنواع الأعمال الظاهريّة من قبيل النوافل والأعمال المستحبّة والعبادات والإنفاق، فتقرّب إليه أنتَ بواسطة عقلك واطوِ الطريق إليه بالعقل، تَسبِقْهُم.
لمّا كان العملُ الذي يقوم به الإنسانُ من حيث الصحّة والبطلان، ومن حيث كونه ذا قيمةٍ أو لا، إنّما يكون تابعًا لنيّة الإنسان وهدفه من القيام به؛ أي: قد يقوم أحدهم بعملٍ لا تكون النيّةُ من وراء القيام به نيّةً صالحةً مع كون العمل عملًا مناسبًا من حيث الظاهر، فسوف لن يكون لمثل هذا العمل أيّةُ قيمةٍ لدى الله، ولا يكون له وزنٌ عند ملائكته؛ وذلك لكون الباطن باطنًا غير صحيح، بل هو باطنٌ مَعيب. فبناءً على هذا، سيكون العمل الذي يقوم به الإنسانُ مقرِّبًا إلى الله متى ما كان متطابقًا مع الموازين.
- بحار الأنوار، ج ۱، ص ٢۰۷ - مع اختلاف يسير.
