
محوريّة العقل في السير والسلوك
المحور الأهمّ في العبادة والقرب من الله
ما هي مكانة العقل في عمليّة السلوك إلى الله عزّ وجلّ؟ وهل من ضرورة للعقل المتّصل بالغيب في تولّي المسؤوليّات الاجتماعيّة؟ ولماذا لا يجوز التعويل على المكاشفات والمنامات في عالم العرفان؟ وما أهمّيّة مراعاة الدقّة والإتقان في التعلّم والعمل؟ ومتى يشكّل العلم الظاهري خطرًا على الإنسان؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال الحديث الشريف: «يا علي إذا تقرّب العباد إلى خالقهم بالبرّ فتقرّب إليه بالعقل تسبقهم».
محوريّة العقل في السير والسلوك
13عندما قلتُ له هذا الكلام، أطرق برأسه إلى الأرض، وغاص في فكره - وبحسب ما يعتقده هو، فيكون قد اتّصل بإمام الزمان عليه السلام، فأنا أعلم بما يجري - ثمّ رفع رأسه بعد فترةٍ وقال: «لا أستطيع ذلك، فلم يُؤذَن لي». قلتُ له: «ومَن يكون هذا الذي لم يأذن لك؟» قال: «إنَّه إمام الزمان عليه السلام؟» قلتُ له: «هل يمكن لكم أن توصلوا سلامنا إلى إمام زمانكم هذا، وتطلبوا منه أن يسمح لكم بأن تتملّصوا من هذه التوصية في هذه المرّة؟» [يضحك سماحة السيّد والحاضرون] «ثمّ ليحصل مثله في المرّات القادمة!»
فمازحتُه بهذا الشكل. لقد تغيّر حاله ورأى بأنَّني قد أهنتُ إمام زمانه، الأمر الذي لا ينبغي أن يحصل، ورأى بأنَّه إن قال شيئًا آخرًا، فسوف أُجيبه بجوابٍ مماثل. ثمّ ذهب في فكره مرّةً أخرى، ثمّ قال: «كلّا، فهو لم يسمح بذلك أيضًا». فقلت: «يبدو بأنَّ إمام الزمان هذا لا يتعاون معنا، فبناءً على هذا ومن أجل أن لا يحصل تشويشٌ في أذهان الآخرين، فنحن نعتذر أن نكون في خدمتكم وأن نستفيد من وجودكم». نعم، ختمتُ كلامي معه بشكلٍ مؤدّبٍ وحسنٍ جدًا.
لاحظوا كيف أنَّني وعندما طرحتُ عليكم هذه الحكاية، فقد ضحكتم بأجمعكم، وعرفتم بأنَّ ما يحصل له هو أمرٌ مخادعٌ وكاذب. كيف يكون ذلك؟ أولًا؛ لكون هذا لا يتماشى مع نهج الأئمّة بأن يلبّوا دعوة مَن يدعوهم، ثمّ يمتنعوا عن تناول طعامه، فليس هذا من نهجهم. إنَّ نهج العظماء ليس بهذا الشكل؛ فهم إمّا أن يمتنعوا عن الذهاب بالمرّة ويعتذروا عن الحضور بحصول مانع، وإمّا أنَّ يذهبوا ويأكلوا من طعام الآخرين. ألم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله يذهب إلى بيوت الأصحاب؟! نعم، لقد كان يذهب إلى بيوتهم، ويأكل من طعامهم، ويختلط بهم.
ألم يكن هذا هو نهج أمير المؤمنين عليه السلام أيضًا؟ جاء أحد الأصحاب ودعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى بيته۱ - وكان أمير المؤمنين عليه السلام كثير المزاح، فبنفس ما كان لديه من الهيبة والقهّاريّة والجلال، كان لديه من الجمال بنفس ذلك المقدار، وكان كثير المزاح - جاء أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ودعاه للحضور إلى بيته، فقال الإمام عليه السلام: «سأحضر ولكن بثلاثة شروط: الأوّل هو أن لا تشقّ على زوجتك وتسبّب لها الحَرَج»، فقال الرجل: «حسنًا سأفعل». «والثاني هو أن لا تجلب شيئًا من خارج البيت، فتأتينا بما هو موجودٌ في البيت». «والثالث هو أن لا تُخفي علينا شيئًا ممّا هو موجودٌ عندك في البيت، فأْتِنا بكلّ ما لديك». إنَّ الإمام عليه السلام قد جمع بين المزاح والواقع في كلامه هذا، فليس لدينا خفاء؛ إنَّه كلامٌ يجمع الحكمة بالمزاح، ولدى أمير المؤمنين عليه السلام الكثير من مثل هذه الكلمات.
- عن عليّ عليه أنّه دعاه رجل فقال له عليّ عليه السلام :«على أن تضمن لي ثلاث خصال قال: وما هي يا أمير المؤمنين قال: لا تدخل علينا شيئا من خارج ولا تدخر عنا شيئا في البيت ولا تجحف بالعيال» قال: ذلك لك فاجابه علي بن أبي طالب عليه السلام. رواه الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام ج٢ص٢٣٥.
