
محوريّة العقل في السير والسلوك
المحور الأهمّ في العبادة والقرب من الله
ما هي مكانة العقل في عمليّة السلوك إلى الله عزّ وجلّ؟ وهل من ضرورة للعقل المتّصل بالغيب في تولّي المسؤوليّات الاجتماعيّة؟ ولماذا لا يجوز التعويل على المكاشفات والمنامات في عالم العرفان؟ وما أهمّيّة مراعاة الدقّة والإتقان في التعلّم والعمل؟ ومتى يشكّل العلم الظاهري خطرًا على الإنسان؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال الحديث الشريف: «يا علي إذا تقرّب العباد إلى خالقهم بالبرّ فتقرّب إليه بالعقل تسبقهم».
محوريّة العقل في السير والسلوك
12حصلت مناسبة زفاف إحدى أخواتي - ويبدو أنَّها كانت الأخت الصغرى منهنَّ - فأرسلني المرحوم العلاّمة إلى هذا الإنسان الذي هو عمّي وأدعوه للحضور. فذهبتُ ودعوته. كانت المناسبة هي مناسبة زواج، وكان قد تمّ إحضار الفاكهة وطعام العشاء. كان من عادة هذا الإنسان أنَّه وعندما تتمّ دعوته لمناسبةٍ من المناسبات أن يجلس جانبًا ولا يمدّ يده إلى المائدة، فهل هذا التصرّف أمرٌ صحيح؟ إنَّه غير صحيحٍ حتمًا، فلا يوجد مثل هذا الشيء في الشريعة. إن كنتَ لا تريد أن تتناول الطعام، فلا تحضر المجلس واعتذر عن الحضور، أمّا أن يحضر أحدهم ولا يمدّ يده إلى الطعام، فإنَّ هذا التصرّف هو بمثابة عدم احترامٍ لصاحب البيت، كيف يمكن لإمام الزمان عليه السلام أن يأمر بمثل هذا؟
إن كان الإنسان على يقينٍ من أنَّ مال صاحب الدعوة مالٌ مشبوهٌ أو كان يشكّ في ذلك على أقلّ تقدير، فعليه أن يعتذر عن الأكل منه بشكلٍ أو بآخر، أو أن يأكل منه ثم يقوم بدفع مقدارٍ من المال بعنوان صدقةٍ إلى أحد الفقراء، فهذه الصدقة تعمل على رفع الكُدورة الحاصلة من تناوله. إنَّ كلامنا الآن مع ذلك الإنسان في أنّه: هل يمكن أن تكون المائدة التي يُقيمها أخوك السيّد محمّد حسين الطهراني، الذي هو العلاّمة الطهراني، من نوع المائدة التي فيها شُبهة؟!
فذهبتُ إليه؛ إذ إنَّ المرحوم العلاّمة كان قد أوصاني بإيصال هذه الرسالة له وهي: «إن كنتَ ناويًا عدم التناول من سُفرة الطعام، فلا تأتِ. إن أتيتَ، فعليك أن تأكل من السُفرة وكما يفعل البشر، فستكون مدعوّاً للحضور في مثل هذه الحالة، فتفضّل على اسم الله، وإلّا فإن كنتَ تريد القيام ببعض الألاعيب،[فلا تأت]»
ذهبتُ إليه، ومازحتُه قليلًا - فقد كان المجلس مجلسَ أُنسٍ - وأوصلتُ إليه الرسالة بأسلوبٍ لطيفٍ جدًّا، وباستعمال كلماتٍ ملائمة، فلا يمكنني أن أقول له: «إن لم تأكل من المائدة، فلا تحضر»، فأيّة طريقةٍ للدعوة ستكون تلك؟ فقلتُ له: «إنَّك أنتَ صاحب المجلس، فأنت رجلٌ كبير، وفيك تتمثّل بركة المجلس، والناس ينظرون إليك بتجليل، ويريدونك أن تكون إلى جنبهم، وما شابه ذلك من كلام، ولكن عدم تناولك للطعام قد يتسبّب في إيجاد شُبهةٍ لبعض الناس، فيتساءل الناس ويقولون: هل إنَّ هذا الطعام مشبوه؟! هل يُسبّب في تكدّر النفس؟ لذا نرجو منك أن تتناول لُقيماتٍ معدودة».
