
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
إلى ماذا يُؤدّي الاستهتار بمباني الأولياء أو العمل بها؟ ما هي حقيقة كلّ من النور والظلمات؟ أيّة علاقة للنور بالصفات الإلهيّة؟ كيف يُفضي الإصرار على الظلمات إلى تصلّب القلب؟ ما هي نظرة أولياء الله تعالى للمسابقات الرياضيّة؟ هل يشترك جميع أفراد الإنسان في المبادئ الفطريّة؟ ما هي أقسام الناس من حيث موقفهم من الظلمات والنور؟ كيف تُؤثّر ولاية الله تعالى في مسألة الهداية إلى النور أو الظلمات؟ ما هو الأمر الذي كان المرحوم العلاّمة يُركّز عليه كثيرًا عند النظر إلى أحوال السالك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي طرحها بين يدي مجموعة من الأحبّة والرفقاء في مدينة كرمان
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
4ويبقى الكلام عن الجزء الأوّل من هذه الآية الشريفة، وكيف يتسنّى للإنسان الخروج من الظلمات إلى النور؟ وما هي حقيقة هذه الظلمات وهذا النور؟ وما هو أثرها على الإنسان؟ وما هو تأثيرها في سلوك الإنسان وحياته؟ وما هي ثمرتها بالنسبة لأعمال الإنسان وفيما يرتبط بسعادته وشقائه وصلاحه وفساده؟ فعندما نسمع مثلاً أنّ فلانًا غارق في الظلمات، فما الذي يعنيه ذلك؟ وماذا يعني أنّ فلانًا نورانيّ؟ وما المقصود بالنورانيّة؟ وماذا تعني الظلمانيّة؟ وما المراد من أظلم العوالم؟ وما هو عالم الظلمات؟ وما المقصود بعالم الأنوار؟ وما هو الهدف الذي تسعى إليه هذه الآية الشريفة؟ وما هو الغرض الذي يُستنبط منها؟ فهل المقصود من الدخول في عالم النور هو الاشتغال بالصلاة والصوم والخمس والزكاة؟ هل هذا هو المقصود؟! هل معنى أن يكون الإنسان في الظلمات هو عدم مراعاة الأحكام الشرعيّة؟ أو أنّه الدخول في الإسلام مثلاً، بحيث يكون عالم الظلمات في المقابل هو الانضواء تحت لواء الكفر والشرك والأديان المختلفة كالمسيحيّة واليهودية؟ أم أنّ هذه القضية هي قضيّة أوسع، وذات مفهوم أعلى من الدخول في الدين والخروج منه، والاشتغال بالأحكام وعدم الاشتغال بها؟
لاحظوا معي، عندما ننظر في الآيات والروايات ـ وحتّى بناءً على المبادئ الفلسفيّة بشكل عامّ ـ ، فإنّنا نجد أنّ أصل الوجود عبارة عن نور، حيث يُطلق على الوجود في اصطلاح الفلاسفة اسم النور. وباعتبار أنّ الله تعالى هو حقيقة الوجود ومبدؤه وأصله، وأنّ كلّ الموجودات ناشئة من وجوده، فإنّ اسم النور يُطلق عليه أيضًا، مثلما جاء في القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ﴾ ۱، كما أنّ هذه المسألة وردت أيضًا في الأدعية، حيث جاءت فيها عبارات أُطلق فيها النور على ذات الحقّ تعالى؛ وهي حقيقة قيل عنها: إنّها تُظهر نفسها، وتكون سببًا في إظهار الأشياء.٢
حينما تنظرون الآن إلى هذا المصباح الذي في الأعلى، تجدون أنّ النور المنبعث منه مُعرِّفٌ لنفسه بنفسه، بحيث إذا أردنا إدراك هذا النور، فإنّنا ـ وبغضّ النظر عن الأشياء التي حولنا ـ لا نحتاج إلى مصباح آخر؛ فهذا المصباح بذاته يُظهر نفسه. إضافة إلى ذلك، فإنّكم ترون هنا خشبًا وشرفة ومصباحًا ودرجًا ولوحة، حيث تتّضح هذه الأشياء التي حولنا بواسطة هذا النور؛ فالنور إذن يُظهر نفسه ويُظهر الأشياء التي يسطع عليها؛ ولو أطفأتم هذا المصباح للحظة واحدة، لما تعرّفتم على مَن يجلس بجانبكم، وسيعمّ الظلام المطلق، ولن تعلموا أيّ شيء.
- سورة النور (٢٤) الآية ٣٥.
- راجع كتابي معرفة الله وتفسير آية النور.
