
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
إلى ماذا يُؤدّي الاستهتار بمباني الأولياء أو العمل بها؟ ما هي حقيقة كلّ من النور والظلمات؟ أيّة علاقة للنور بالصفات الإلهيّة؟ كيف يُفضي الإصرار على الظلمات إلى تصلّب القلب؟ ما هي نظرة أولياء الله تعالى للمسابقات الرياضيّة؟ هل يشترك جميع أفراد الإنسان في المبادئ الفطريّة؟ ما هي أقسام الناس من حيث موقفهم من الظلمات والنور؟ كيف تُؤثّر ولاية الله تعالى في مسألة الهداية إلى النور أو الظلمات؟ ما هو الأمر الذي كان المرحوم العلاّمة يُركّز عليه كثيرًا عند النظر إلى أحوال السالك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي طرحها بين يدي مجموعة من الأحبّة والرفقاء في مدينة كرمان
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
3فهذا ما أردتُ التنبيه إليه، وأنّنا مسؤولون تجاه منهج العظماء، ولا يُمكننا أن نتعامل معه باستخفاف، حيث نرى الآن أنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه يُطرح بوصفه مُنظِّرًا للمبادئ العرفانيّة في القرون الأخيرة، وذلك بالنظر إلى المباني التي طرحها، وآمن بها، وعمل على تطويرها ونشرها، وعلى حدّ قوله: «لقد وضعنا العرفان على مائدة الجميع، وأخرجناه من زوايا الخزائن والرفوف والدواليب والمكتبات، ووضعنا الله في متناول الجميع وأجلسناه بجوارهم».
بناءً عليه، ليس سهلاً ويسيرًا أن يطرح الإنسان أيّ شيء يأتي على باله، فقد مرّت بي في طوال حياتي وتجربتي مع المرحوم العلاّمة العديد من الحالات ـ يعني أستطيع أن أقول: عشرات الحالات ـ التي أقطع فيها بأنّ رأيه قد فُهم خطأً، وأجزم فيها بذلك؛ هذا، مع أنّني كنتُ أُشير في نفس ذلك الحين إلى هذه الاختلافات، وكنت أنبّه في زمان حياته إلى أنّ الفهم الذي فهمه الشخص الفلانيّ للمسألة الفلانيّة التي ذكرها [المرحوم العلاّمة] آنذاك خاطئ، وأنّ حقيقة المسألة هي بالنحو الكذائيّ، وكان يتّضح أنّ الأمر هو كذلك حقًّا. والآن، وبعد أن رحل عنّا، فإنّ المجال لنقل أيّ قول أصبح أكثر ملاءمةً، ولا يوجد في قبال ذلك أيّ رادع أو مانع.
على كلّ حال، فإنّ هذه المسألة كانت بهذا النحو حتّى الآن، وستكون كذلك إن شاء الله من الآن فصاعدًا، فنسأل الله أن يأخذ بأيدينا، ويحفظنا من الوقوع في الوساوس والمَهالك والأمور النفسانيّة، حيث إنّ هذا الأمر موجود في مختلف المسائل، خصوصًا الاجتماعيّة والسياسيّة التي فيها مجال أوسع لطرح الآراء الشخصية استنادًا إلى أقوال العظماء؛ إذ يوجد فيها مجال واسع حقًّا لإبداء الرأي وإظهار الأذواق الخاصّة.
حقيقة النور والظلمات
أمّا المسألة التي من شأنها أن تحظى بالأهمّية بالنسبة لنا في مثل هذه القضايا المختلفة والمسائل المُبهمة والمشبوهة، فهي مسألة الاتّكاء على مدرسة الأولياء والاستمداد من تلك النفوس المطهّرة والمقدّسة، وكيف أنّ هذه المسائل تؤدّي إلى وضع ذهن الإنسان وطريقه ومنهجه في المسار الصحيح. توجد آية قرآنيّة عجيبة حقًّا، ولها موارد مشابهة، وتقع في مطلع سورة إبراهيم، حيث جاء فيها: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ۱؛ أي أنّنا أرسلنا موسى إلى قومه بآياتنا ومبادئنا وقواعدنا وقوانيننا، وتلك المسائل الأخلاقيّة والاجتماعيّة، وتلك الأحكام والاعتقادات: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ بأن تُخرج قومك بواسطة هذه الآيات والمبادئ من الظلمات إلى النور: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ والأيّام تعني تلك الظروف والمواقف التي تكون فيها العناية الإلهية الخاصّة تجاه العباد بنحوٍ يكون فيه انجذاب النفوس والأرواح نحو عالم القدس وعالم النور أقوى وأشدّ وأكثر جاذبيّة، وهذه مسألة تتوفّر بحدّ ذاتها على مجال واسع، ولا يُمكننا الحديث عنها الآن.
- سورة إبراهيم (۱٤) الآية ٥.
