
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
إلى ماذا يُؤدّي الاستهتار بمباني الأولياء أو العمل بها؟ ما هي حقيقة كلّ من النور والظلمات؟ أيّة علاقة للنور بالصفات الإلهيّة؟ كيف يُفضي الإصرار على الظلمات إلى تصلّب القلب؟ ما هي نظرة أولياء الله تعالى للمسابقات الرياضيّة؟ هل يشترك جميع أفراد الإنسان في المبادئ الفطريّة؟ ما هي أقسام الناس من حيث موقفهم من الظلمات والنور؟ كيف تُؤثّر ولاية الله تعالى في مسألة الهداية إلى النور أو الظلمات؟ ما هو الأمر الذي كان المرحوم العلاّمة يُركّز عليه كثيرًا عند النظر إلى أحوال السالك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي طرحها بين يدي مجموعة من الأحبّة والرفقاء في مدينة كرمان
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
18فمثلما أتعاملُ مع شخصٍ يُريد أن يتركَ طريقَ الضَّلالِ ويأتيَ إليَّ، حيث أضعُ نفسي بكلِّ قُدرتي تحتَ تصرّفهِ، فأُغيّر فكرَه وبرامجه وحياتَه وأخلاقَه وتفكيرَه ورفقاءَه وعلاقاتِهِ، وأُوجّه ذلك بأجمعه في سبيلِ الوصولِ إليّ، فإنّني سأتعامل بنفس الطريقة مع الذي يُريد أن يسلكَ هذا الطريق؛ إذ سأجعل الرفيقَ الذي كانَ حتّى الأمسِ عدوًّا لدودًا له، يُصبح الآنَ من أقربائه: «يا للرّوعةِ، سلامٌ عليكم!»، ماذا؟! أنتما اللذان لو وجدتما ـ حتّى الأمسِ ـ سكّينًا، لَبقرتُما أحشاءَ بعضِكما البعضِ، كيفَ أصبحتما الآنَ من الأقاربَ؟! فيقول له: «شرّفنا يا سيّدي بالمجيء إلى المنزلِ، تفضّل»، فيدخلُ قائلاً: «السلام عليكم، كيفَ الحالُ؟ ما الأخبارُ؟»، ثمّ يأتي ثالث لم تكن له به ـ على سبيل المثال ـ أيّة علاقة بتاتًا، فيُصبح بدوره من أقربائه، قائلًا: «يا للرَّوعةِ! يا للرَّوعةِ!»، وأمثال هذه الكلمات. ثمّ يكون جالسًا في البيتِ، وإذا بهاتفه يرنّ فجأةً، [ويتّصل به أحدهم]، والحالُ أنّهما لم يتّصلا ببعضِهما منذُ عشرِ سنواتٍ: «السلام عليكم، لقد جئتَ على بالي اليومَ يا سيِّدي، ولا أدري لماذا اشتقتُ اليومَ للحديثِ معك!»، لكن، مَن الذي ألقى هذا الشّوقَ في قلبِهِ؟ إنّه حضرةُ الشَيطانِ. أجل! فهو أيضًا جالسٌ هناك يقول: «كمَا أنَّ للهِ جنودَه وأعوانَه، فأنا أيضًا لديَّ جنودي وأعواني»، حيث جاء على لسانه في القرآن الكريم۱ أنّه قال: سأستخدم جميع الوسائل للتسلّل إليه، وآتيهِ عن يسارِهِ وعن يمينِهِ، ومن فوقِ ومن تحتِ ومن كلِّ الجوانبِ، فآتي لأُمسكَ بِهِ، وأسخِّرُ لهُ جميعَ الناس، وأضعُ في طريقهِ الرفيقَ الذي ينفعهُ، وأرتّب له العلاقةَ التي تصلح لهذا الأمر، فالآنَ وقد تقرَّرَ أن يسلكَ طريقَ الضلالِ، سأرتّبُ لهُ هذه العلاقةَ، وأفعلُ كذا وكذا، وأسلّط عليه رفيقَ السوءِ ليأخذهُ ويسقطهُ! لا قدّرَ اللهُ ذلكَ للإنسانِ! وعلى المرء أن يلتجئ إلى اللهِ فقط، ويستعيذ به تعالى وحسب، وأن يطلبَ منه أن يتولاّه بنفسه في كلِّ الأحوالِ.
فإذا نظرتم إلى معظم الأفرادِ الذين تعرّفوا على هذا المنهج وهذه المدرسةِ وهذه المبادئِ، فكيفَ هيّأ الله تعالى لهم وسائلَ التوفيقِ؟ وكيفَ حدثَ ذلكَ في الأساس؟ كان أحدهم جالسًا، فقالَ: «يا إلهي! أريدُ أن أُصلح طريقي، فقد تُهتُ، وأصبحتُ كذا!»، فيذهبُ في الغد إلى الإدارة الفلانية، ويكون جالسًا في الغرفةِ، وإذا به يرى فجأةً على طاولةِ زميلِه كتابَ المرحومِ العلاّمة، والحالُ أنَّ هذا الكتابَ كانَ في بيتِ هذا الزميل، واليومَ خطرَ ببالهِ أن يأخذَه ويأتيَ بهِ ويضعهُ هنا، فيقول له: «هل يمكنُ أن تعيرني الكتابَ لآخذهُ معي الآنَ وأقرأه». فيأخذ الكتابَ ويقرؤهُ، فتكون هذا القراءة هي السبب لكي يتّضح له كلّ شيء!
- من الآيات القرآنيّة العجيبة التي وردت بخصوص هذا الموضوع: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ سورة الأعراف (۷) الآية ۱۷، ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف (۷) الآية ٢۷، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سورة الإسراء (۱۷) الآية ٦٤.
