
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
إلى ماذا يُؤدّي الاستهتار بمباني الأولياء أو العمل بها؟ ما هي حقيقة كلّ من النور والظلمات؟ أيّة علاقة للنور بالصفات الإلهيّة؟ كيف يُفضي الإصرار على الظلمات إلى تصلّب القلب؟ ما هي نظرة أولياء الله تعالى للمسابقات الرياضيّة؟ هل يشترك جميع أفراد الإنسان في المبادئ الفطريّة؟ ما هي أقسام الناس من حيث موقفهم من الظلمات والنور؟ كيف تُؤثّر ولاية الله تعالى في مسألة الهداية إلى النور أو الظلمات؟ ما هو الأمر الذي كان المرحوم العلاّمة يُركّز عليه كثيرًا عند النظر إلى أحوال السالك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي طرحها بين يدي مجموعة من الأحبّة والرفقاء في مدينة كرمان
التربية في الأديان وعلاقتها بثنائية النور والظلمات
14لماذا صارت الأمور بهذا النحو؟ مع أنّني لا أقولُ ألّا يفرحَ الإنسانُ، حسنًا، فليفرحْ! فقد سجَّلَ هدفًا وهو فَرِحٌ الآن؛ هذا، مع أنّني لا أريد الدخول الآن في هذه المسائلِ الاجتماعيّةِ والسياسيّةِ، كي لا أُصبحَ موضعَ اعتراضِ الكثيرينَ بأنَّ هذا السيّد يُعارضُ ـ في الأساس ـ كلّ هذه الأشياءِ! فأنا لستُ معارضًا للرِّياضةِ، بل إنّني أعارض مثلِ هذه القضايا التي لا يُعرفُ ما وراءَها، وأيُّ أيادٍ تقفُ خلفَها من أجل تسليةِ النّاسِ؛ فهذه هي الأمور التي أعارضها، وإلاّ، فلا يوجد أيّ إشكال في أصل مسألة الرياضة.
اشتراك جميع أفراد الإنسان في المبادئ الفطريّة
حسنًا، مَن الذي وضعَ هذه المبادئ الإنسانيّة والفطريّة؟ إذا كان اللهُ هو الذي وضعَها، فإنَّه وضعَها في الجميعِ، فوضعَ هذه المبادئ في الكلّ، ووضعَ هذه الفِطرةَ في الجميعِ، لأنّ الفِطرة لا تقتصر عليّ أنا المسلمَ فقط، بل هي مكنونة في كلِّ مكانٍ، أي حتّى في ذلك اليهوديِّ. فهل كان الأفراد الذين أدخلهم النبيُّ في الإسلام مسلمينَ منذُ البدايةِ؟ ألم يكونوا بأنفسهم مشركينَ؟! ألم يكن هؤلاءِ هم المشركينَ أنفسَهم الذين آمنوا عندما أدركوا بفِطرتِهم حقّانيّةَ النبيِّ؟ فهم لم يُولَدوا مسلمينَ وشيعةً من بطونِ أُمّهاتِهم منذُ البدايةِ، بل وُلِدوا مُشركينَ، لكنَّهم لم يفقدوا فِطرتَهم، ولم يُضيّعوا مبادئهم الفِطريّةَ، ولم يخسروا ذلك الصدق والصَّفاء والأمانة والالتفات إلى الحقِّ ومراعاته والسَّعي وراءَه وكراهية الظُّلمِ والكذبِ والخطيئة والغشِّ والإجرام؛ ولهذا، حينما كانوا يرونَ النّبيَّ يطرح هكذا مسائلَ، كانوا ينجذبونَ إليه؛ لكن، مَن كان يقفُ مقابلِ هؤلاءِ؟ كان يقفُ أمامهم أمثالُ أبي سفيانَ وأبي لهبٍ وعُتبةَ وشَيبةَ وخالدٍ والوليدِ بنِ عُتبةَ، فهؤلاءِ كانوا يقفونَ أمامهم؛ لكن، ليسَ لأنَّهم لا يفهمونَ أنَّ الكذبَ سيِّئٌ، كلاّ! وليسَ لأنَّهم لا يعرفون مَن هو النّبيُّ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ۱، فكانوا يعلمونَ أنَّ النّبيَّ حقٌّ مثل معرفتهم بأبنائهم، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. أ فهل يُعقل ألاّ يتعرّف الأب على ابنه؟! ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
انقسام الناس من حيث موقفهم من الظلمات والنور إلى طائفتين
فلماذا لم يقبلوا؟ ولماذا حاربوا؟ ولماذا واجهوا؟ ولماذا حرَّضوا الناسَ؟ ولماذا رموا جبينَ النبيِّ بالحجارةِ؟ لماذا حاصروا هؤلاءِ جميعًا ثلاثَ سنينَ في شِعْبِ أبي طالبٍ، حتّى فَقَدَ النبيُّ هناكَ حضرةَ خديجةَ وحضرةَ أبي طالبٍ، ودُفِنَ الكثيرُ من المؤمنينَ هناك؟ فلأيِّ سببٍ كان كلُّ هذا؟ حتّى نَبْقَى نحن! لأنّه إذا قَبِلنا، فلن نعودَ نحن الرُّؤساءَ؛ فيجب أن نبقى نحن، وتبقى مصلحتُنا، ويبقى نظامُنا؛ وأمّا إذا قَبِلنا، فلن نعودَ رؤساءَ، ولن يركع لنا ويُعظّمنا أيّ أحد، ولن نظلّ نتمتّع بالخيرات الفلانية، كما قد تقلّ منافعنا الدنيويّةُ، أو تُؤخذُ منّا هذه المنافع. فهؤلاءِ جاءوا وأبقوا أنفسهم في ظُلُماتِهم، وأولئكَ جاءوا وخرجوا منها، واعتنقوا [الإسلامَ]، وانحازوا إليه قائلين: «يا رسولَ اللهِ! إنَّ ما تقوله صحيحٌ، وما تنطق به حقٌّ!»، في حين أنّ الآخرين وقفوا في مواجهةِ هذه المسألة. إنَّ كلَّ نظامٍ تكامُليٍّ وتربويٍّ للأديانِ قائمٌ على أساسِ هذه القضيّةِ: الخروجُ من الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والخروجُ من النُّورِ إلى الظُّلُماتِ.
- سورة البقرة (٢) الآية ١٤٦.
