
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
ألم تكن أرض الله واسعة؟
كيف نتجاوز قراءة الأدعية إلى فهمها والعمل بها؟ لماذا يناجي الإمام المعصوم بلسان المذنبين؟ كيف تُدحض أعذار المقصرين يوم تشهد الجوارح؟ تتناول هذه المحاضرة الثالثة عشرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثمالي للسيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه، هذه الأسئلة، داعيةً للتدبّر في مضامين الأدعية وسيرة الأولياء، ونبذ السطحيّة والنفاق، والتأكيد على مسؤوليّة السعي نحو الحق والاستعداد ليوم الحساب.
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
7نفسك تشهد عليك الآن: حقيقة الشهادة الباطنية
هذان الجانبان اللذان ذُكرا للرفقاء۱، يجب أن يلتقيا. الجانب الأول الذي ذُكر هو جانبنا التوحيدي، ذلك الجانب هو جانبٌ يبقى على صفائه، يبقى على نوريّته، لا فرق فيه بين كافر ومؤمن. ذلك الجانب الذي هو جانب الربط وحقيقة التوحيد ومظهر تجلّي التوحيد، وهو نفسه الذي يشهد يوم القيامة ويشهد الآن كما ذكرت للرفقاء الليلة الماضية. إنّه يشهد الآن تمامًا، لكنّنا لا ندرك شهادته، آذاننا لا تسمعه الآن ولكن العارف يدركه، العارف يميّز، العارف عندما ينظر إلى شخص يفهم من عينيه هل نظر نظرة باطلة اليوم أم لا. لا يحتاج إلى الآخرة. العارف عندما ينظر إلى فرد يدرك هل سمعت أذنه الحرام اليوم أم لا. لا أنّ العارف يخلق من عنده ويصنع، لا! تلك الأذن تشهد الآن، أنا لا أسمع وهو يسمع، الفرق بيننا هذا فقط. هذه العين تشهد، أنا لا أرى وهو يرى، لم يتغيّر شيء، المسألة فقط مسألة رؤية وعدم رؤية، مسألة قدرة على الرؤية لا أنها خلق جديد. ليست ظاهرة جديدة، ذلك البدن يشهد، هل عبدتُ الله اليوم أم لم أعبده، القلب يشهد، الفكر يشهد.
قصّة آية كشفت نيّة خفيّة: بصيرة العارف
كنتُ يومًا في محضر المرحوم العلامة، كان يكتب شيئًا وكنتُ أنا بجانبه مشغولاً بالمطالعة، كان هو منشغلاً بعمله وأنا منشغلاً بعملي ولم نكن نتحدّث أيضًا. فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾٢ أنت أمام أعيننا، فماذا كانت القضيّة؟ كنت قد نويتُ الليلة الفائتة ودون أن أخبر أحدًا، أن أقوم بعمل دون أن يعلم هو؛ لم يكن العمل باطلاً ولكن كان يجب أن يكون هو على علم به. قلتُ إذا علم قد يمنعني، فلن أخبره وسأقوم به. وفي صباح الغد وضع الأمر واضحًا أمامي ثمّ تابع عمله وقرأ هذه الآية فقط. فمن أين علم؟! القلب يشهد، هو يرى وأنا الذي خطرت هذه النية ببالي لا أرى، نسيت. وبالصدفة، عدلتُ عن الأمر لاحقًا ولم أقم به، فقط نويته. عندما نويتَ انتهى الأمر وبقي. في الغد يأتي من يجب أن يرى ويقدم تقرير العمل، فانتبه! العمل الذي تريد أن تقوم به أخبرني به. ثمّ قال عصرًا: فيما يتعلق بالأمور التي تظنون أنكم تستطيعون القيام بها وحدكم، ضعوني في الصورة. قال هذا وذهب. وهذا هو الثاني! إلى متى لا نفهم؟ فلنفهم إذن! عزيزي، كيف يأتون ليقولوا؟ لقد سجّلتَ الليلة الماضية! هل أقول في أي ساعة؟ لا! لا يقولون هكذا أيضًا، ولا يقولون مباشرة، بل يوصلون الأمر بالإشارة، ويجب التقاط الإشارة. وقد حدث كثيرًا جدًّا أن كنّا في محضر الأعاظم، في محضر السيّد الحداد رحمه الله، فكانوا يتعامل بهذا الشكل.
- يشير سماحة السيّد إلىما تقدّم في المحاضرات السابقة من أنّ هناك جانبان جانب ربوبيّ توحيديّ وجانب خلقي. (م)
- سورة الطور (٥٢) الآية ٤۸
