
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
ألم تكن أرض الله واسعة؟
كيف نتجاوز قراءة الأدعية إلى فهمها والعمل بها؟ لماذا يناجي الإمام المعصوم بلسان المذنبين؟ كيف تُدحض أعذار المقصرين يوم تشهد الجوارح؟ تتناول هذه المحاضرة الثالثة عشرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثمالي للسيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه، هذه الأسئلة، داعيةً للتدبّر في مضامين الأدعية وسيرة الأولياء، ونبذ السطحيّة والنفاق، والتأكيد على مسؤوليّة السعي نحو الحق والاستعداد ليوم الحساب.
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
15ما معنى ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾؟
﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾۱. لا يؤذن لهم حتّى يعتذروا. كونهم لا يؤذن لهم، ليس معناه أن يُقال لهم لا تتكلّموا. عندما تتجلّى لهم هذه الواقعة، يُرفع الإذن، هذا معناه. أحيانًا يريد إنسان أن يأتي ويدافع عن نفسه في محكمة. إذا أراد أن يدافع، سيُدان القاضي. القاضي قد وقّع على الملف مسبقًا، قبل أن يُجلب هذا المسكين إلى المحكمة وقبل أن تكون هناك شهادة أو محامٍ، على فرض أنه سيكون هناك محامٍ وهو غير موجود. إذا أراد أن يكون، فالملف قد وُقّع قبل ذلك. ثمّ تكون هناك أمور شكليّة...! بمجرّد أن يريد التحدّث، يقول: سيّدي! لقد جئتم وأصدرتم الحكم، دعوني أتكلّم كلمتين. يقولون: قم، اذهب! ماذا تريد أن تقول؟ هل تريد أن تأخذ وقت المحكمة؟ هل نحن عاطلون عن العمل؟! يأتي ألف رجل مثلك إلى هنا يوميًا. فقم، اذهب! ليس لدينا وقت. لديهم عذر ولكن لا يُسمح لهم بالاعتذار: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، أما في يوم القيامة فالأمر ليس كذلك. لماذا لا يسمح الله؟ هل لدى الله حسابات مع أحد؟ إذا كان لدى أحد عذر فليأتِ وليقل عذره؛ أنا لم أصلِّ لهذا السبب، كذبتُ هذه الكذبة لهذا السبب. يد الله ليست مقيّدة ليخاف؛ لا! قوله تعالى: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾٢، معناه أنّ مجال العذر يُرفع ولا يعود بإمكان أحد أن يأتي بعذر. عندما يرى الإنسان نفسه في نفس الواقعة، فماذا يريد أن يقول بعد ذلك؟ هناك ينعقد لسانه ويقول: لقد فعلتُ هذه الأعمال؛ أي أنّ أساس العذر وجذره يزول كليًّا.
الحجّة البالغة: كيف يُدان المذنب علمًا وخارجًا؟
إذن، تجلّي التوحيد على النَّفْس ومشاهدة النفس في جميع مراحل الوجود، في عالم الدنيا، يأتي بعد الاعتذار الذي يأتون به ويقدّمون الأعذار والأدلة والذرائع ويريدون أن يظهروا الأمور مقلوبة. فتقول لهم الملائكة: ﴿أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً﴾. هذا من الناحية العلميّة. ثمّ تجلّي التوحيد على النفس ومشاهدة الحقائق من الناحية الخارجيّة. إذن، تقام الحجّة على جميع المذنبين والمخطئين وعلى جميع أولئك الذين أرادوا في هذه الدنيا أن يجعلوا الأمور شكليّة لأنفسهم ويديروا الحوادث والقضايا وفقًا لأهوائهم، وفي الوقت نفسه يجدون لأنفسهم ذريعة، فتقام عليهم الحجّة من الناحيتين العلميّة والخارجيّة؛ من الناحية العلمية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾٣. ومن الناحية الخارجيّة؛ مشاهدة جميع حقائق وحوادث عالم الوجود والإحساس الحقيقيّ بالعلم الحضوري؛ أي بنفس الوجود في تلك الواقعة، وينتهي الأمر. إن شاء الله، تتمّة الكلام للجلسة القادمة بحول الله وقوّته.
- سورة المرسلات (۷۷) الآية ٣٦.
- سورة المرسلات (۷۷) الآيتان ٣٥-٣٦
- مقطع من سورة النساء (٤) الآية ٩۷
