
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
ألم تكن أرض الله واسعة؟
كيف نتجاوز قراءة الأدعية إلى فهمها والعمل بها؟ لماذا يناجي الإمام المعصوم بلسان المذنبين؟ كيف تُدحض أعذار المقصرين يوم تشهد الجوارح؟ تتناول هذه المحاضرة الثالثة عشرة من سلسلة شرح دعاء أبي حمزة الثمالي للسيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه، هذه الأسئلة، داعيةً للتدبّر في مضامين الأدعية وسيرة الأولياء، ونبذ السطحيّة والنفاق، والتأكيد على مسؤوليّة السعي نحو الحق والاستعداد ليوم الحساب.
لزوم التدبّر في أدعية الأولياء وسيرتهم لفهم حقيقة المسؤوليّة أمام الله
11قلت: ألم يكن لديك أستاذ ومرشد؟! إذن لأي وقت يكون المرشد؟! فقط لتقبّل يده وتصلّي خلفه؟! إذن متى يكون دور الأستاذ والخبير والدليل؟!
قال: حسنًا، فعلنا وانتهى الأمر.
قلت: انتظر العواقب أيضًا. ومن العجيب أنني قرأت له هذه الآية نفسها؛ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ...﴾ ولكن ذلك المسكين لم يفهم ما أقول، لأنه لم يكن متعلمًا. قال: ما معناها؟ قلت: اذهب واسأل عن معناها! ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ أولئك الذين يموتون وهم ظالمون لأنفسهم، ماذا كنتم تقولون وماذا كنتم تفعلون؟! لماذا تدخّلتم في الحدث الفلاني؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ لم نكن نعلم، رأينا مجموعة من المسلمين يذهبون فسرنا خلفهم.
عبرة من كربلاء: مسؤوليّة المشاركة في سواد جيش الباطل
في واقعة عاشوراء، لا تظنوا أنّ كلّ الذين جاءوا إلى كربلاء ضربوا الإمام الحسين عليه السلام بالسيف! لا، لم يكن الأمر كذلك. تجرّأ بعضهم، وكثيرون لم يأتوا، أي أنّهم أشغلوا أنفسهم في الخلف؛ كانوا جزءًا من جيش عمر بن سعد وكانوا يتقاضون الأجور، وجاءوا مقابل عشرة أو عشرين أو مئة دينار لقتل ابن بنت رسول الله! انطلقوا مقابل كيسين من القمح! فهل يسمّى هذا إنسانًا! حتّى لو لم يكن مسلمًا، هل أنت إنسان! يعطونك كيسين من القمح ويقولون اذهب وارمِ ابن بنت رسول الله بسهم! أصلاً لو لم يكن ابن بنت رسول الله، ارمِ إنسانًا بسهم. يعطونك مائة ألف تومان، ويقولون ارمِ هذه القطة، هذا الكلب في الشارع بسهم! من يطاوعه قلبه أن يرمي؟ إنّه حيوان الله، فلماذا يرميه؟ إذا كان مؤذيًا فالأمر مختلف. أن يرمي حمامة ويجعل كائنًا حيًّا بلا حياة؛ لذلك، صيد الحيوانات بقصد التلذّذ حرام. لا يحقّ للإنسان أن يرمي الحمامة إذا كان قصده التسلية. إذا كان هناك حاجة وضرورة ولم يجد لحمًا، يقولون: بقدر الضرورة، وإلا فلا يحقّ للإنسان أن يرمي أيّ حيوان، أن يرمي وعلاً في الجبل، يرمي العصافير و...، كلّ هذا فيه إشكال، ما عدا صيد البحر كالسمك وما شابهه، فمسألته مختلفة. ولكنّ الحيوانات البريّة لا بأس بها فقط للضرورة أو للاستفادة أو لمن كانت مهنته هذه فقط ويتكسّب منها، وإلا فلو كانت للتسلية فكل هذا فيه إشكال. يعطون شخصًا مائة تومان، ويقولون: اذهب واقطع رأس ابن بنت رسول الله، فينطلق هو! وكان فيهم أفرادٌ يبتعدون بأنفسهم ويكتفون بركوب خيولهم، ولم تعد قلوبهم تطاوعهم على الاقتراب. قرأت في التاريخ أنّ أحدهم رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله في المنام في ليلة الحادي عشر، رأى ملائكة العذاب والذهاب والإياب وجهنم وهذه الأمور. يأتي النبي صلّى الله عليه وآله ويمر، فيقول: يا رسول الله! أدركني. فيلتفت إليه النبيّ صلّى الله عليه وآله ويقول: ألستَ أنت الذي سرت لقتل ابني؟ يقول: يا رسول الله! لقد سرتُ ولكن يدي لم تتلطّخ بالدم. فقال النبي صلّى الله عليه وآله: ألم تُرِع قلوب أبنائي بمجيئك إلى جيش عمر بن سعد؟! ألم تكن سببًا في سواد الجيش وكثرة عدده أيضًا؟ فما كان منه إلا أن تضرّع وتوسّل وأناب وتاب، وأصبح فيما بعد من الذين قاموا للانتقام من قتلة الإمام عليه السلام، ثم قُتل في تلك المعارك. هؤلاء قاموا للأخذ بثأر سيّد الشهداء عليه السلام. مجرّد مجيئك في هذا الصف وهذا الجيش يُحسب عليك. القيام بالعمل أمر، والمجيء في هذا الصف أمر آخر. ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ كنا مستضعفين، نظرنا إلى هؤلاء الأفراد ورأيناهم أفرادًا جيّدين فسرنا خلفهم! لا! ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ...﴾ ألم يكن لديك قدمان؟ لم تكن المسافة من بيتك إلى بيت السيّد أربعة كيلومترات. كان بإمكانك أن تأتي وتطرق الباب وتقول: يا سيّدي، هل أذهب في هذه الأحداث أم لا أذهب؟ إما يقول لك اذهب أو يقول لا تذهب، انتهى. فلماذا لم تفعل؟!
