
أهمِّيَّة الثَّبات في طريق الحقِّ واجتناب التَّشتُّت
لماذا يتيه السَّالكون وكيف يضلِّل الشَّيطان أهل الإيمان؟
كيف يسلك الإنسان إلى الله؟ وما هي العقبات الَّتي تعترض طريقه؟ لماذا ينحرف البعض عن الجادَّة رغم حضورهم المجالس واستماعهم للمواعظ؟ كيف يُميِّز الإنسان بين الحقِّ والباطل في دعوات المتظاهرين بالصَّلاح؟ وما هو دور المحبَّة الحقيقيَّة في الوصول إلى الله وتجاوز الأنا؟ تجيب هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رحمه الله، عن هذه الأسئلة وتبيِّن أهميَّة الثَّبات على الحقِّ، وضرورة تصحيح البوصلة الدَّاخليَّة، وتحذِّر من الوقوع في فخاخ الشَّيطان الَّتي تُقدَّم أحيانًا بغطاءٍ دينيٍّ.
أهمِّيَّة الثَّبات في طريق الحقِّ واجتناب التَّشتُّت
2أعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللهُ علَى سيِّدِنا ونبيِّنا أبي القاسم مُحَمَّدٍ
وعلى آلِه الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ واللَّعنَةُ عَلَى أعدَائِهِم أجمَعِينَ
مقدِّمة: المحبَّة والمعرفة طريق الوصول
«عرفتي يا مولاي دليلي عليك وحبِّي لك شفيعي إليك وأنا واثقٌ من دليلي بدلالتك وساكنٌ من شفيعي إلى شفاعتك»
معرفتي يا سيِّدي ومولاي هي دليلي إليك، ومحبَّتي لك هي شفيعي لديك، وأنا على يقينٍ بأنَّ هذا الدَّليل سيوصلني إلى مقصدي، وأنَّ هذا الشَّفيع سيبلغ بي المطلوب بشفاعته.
ذُكر أنَّه في كلِّ مسألةٍ وهدفٍ وغايةٍ، يجب على الإنسان للوصول إلى تلك الغاية أن يمهِّد لها المقدِّمات ويسلك الطَّريق المناسب لها، وإلَّا فإنَّه لن يصل إلى مبتغاه، أو سيتأخَّر في الوصول، أو يصل ناقصًا، أو يبقى عالقًا في الطَّريق. من أراد بلوغ مطلوبٍ ما فعليه أن يوجِّه حواسَّه كلَّها نحو ذلك المطلوب.
آفة التَّردُّد والتَّنقُّل بين المجالس
كان المرحوم العلَّامة يستخدم تعبيرًا عن الذين ينحرفون في الطريق، فيصفهم بأنَّهم أولئك الذين يميلون باستمرارٍ يمينًا ثمَّ يعودون، ثمَّ يذهبون مرَّةً أخرى ويميلون من جديد، وهم دائمون في حالة انحرافٍ ورجوع. بعضهم عندما يبدأون السير إلى الله تعالى ويلتزمون بمراعاة البرامج والقواعد والتَّعاليم، يحصرون همَّهم وغمَّهم كلَّه في هذه المسألة ولا يعيرون أيَّ اهتمامٍ لأيِّ وسوسةٍ أو انحرافٍ، ويسدُّون آذانهم عن كلِّ الأمور الأخرى.
عندما يصل الإنسان إلى الحقِّ، فما معنى أن يذهب ويتطفَّل هنا وهناك؟ لِنَرَ ما الخبر هناك؟ إذن من الواضح أنَّك لم تصل إلى الحقِّ بعد. لنرَ ما الخبر في ذلك المجلس؟ وماذا يقول فلان؟ وماذا يفعل فلان في المكان الفلانيّ؟ لنذهب ونرى، لنذهب ونرى. هذه المسألة دليلٌ على أنَّ هذا الإنسان لم يجد الحقَّ، إنَّه يمزح، يمزح. لقد قبِل ظاهريًّا ولكنَّه في باطنه وفي وجدانه لم يصل إلى اليقين والثِّقة والسُّكون والطُّمأنينة تجاه ذلك الأمر.
بعضهم دائمو الحركة والتَّنقُّل، يذهبون من هذا المجلس إلى ذاك، ومن ذاك المجلس إلى هذا، دائمًا هم في حالة تنقُّلٍ ودوران. لم يفكِّروا أبدًا في أنَّ ما يحصلون عليه في بعض هذه المجالس يجب أن يجعلوه واجبًا ومنهاجًا لحياتهم. قلوبهم مسرورةٌ بهذا التَّنقُّل بين المجالس. هؤلاء لو تنقَّلوا مائة مليون سنةٍ لبقوا في مكانهم. لا يذهبون إلى السِّينما والمسرح، لا! إنَّهم يذهبون إلى المجالس، مجالس دينيَّة، مجالس معنويَّة، مجالس يُذكر فيها الله والصَّالحون والأطهار. هذه هي الأمور الَّتي يشاركون فيها، ولا يشاركون في مسائل اللَّهو واللَّعب. ولكنَّ مقدار القبول والتَّصديق والإيمان الذي ينبغي أن يؤدِّي إلى الاستفادة من مضامين تلك المجالس غير موجودٍ فيهم. فهم فقط مسرورون بسماع الكلام.
