
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
ما هي حقيقة الإيمان؟ وما هو الفارق بينه وبين الإسلام؟ ما هي الظروف الصعبة التي عانى منها الإمام الهادي عليه السلام في عصره؟ وكيف كان يتعامل المتوكّل مع أهل البيت وشيعتهم لا سيّما الإمام الهادي عليه السلام؟ بأيّة طريقة قُتل المتوكّل؟ وكيف صارت أحوال الشيعة بعده؟ ما هي الأوضاع التي عاشتها سامراء في عصر الإمام الهادي؟ وكيف تمّت ظروف شهادته عليه السلام؟ ما هي السياسات التي اتّبعها العبّاسيون من أجل التضييق على الأئمّة؟ وكيف كانوا عليهم السلام يسعون للحفاظ على الدين رغم كلّ الظروف؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
5كانت هناك مغنّية في بغداد جمعت حولها بعض الفتيات، وكانت تعلمهنّ الغناء، حيث كان رائجًا في ذلك الوقت أن يكون للمغنّيات جوارٍ يقمن بتعليم بعض الفتيات الغناء، ليتمّ استدعاءهنّ إلى مجالس اللهو واللعب التي يُقيمها علّية القوم والسلاطين والخلفاء وأمثالهم، فيرسلنهنّ، ويحصلن من ورائهنّ على أموال طائلة. فكانت هناك مغنّية في بغداد لديها جوارٍ، أي من هؤلاء الجواري المغنّيات ذوات الصوت الحسن، وكانت تعلمهنّ، وكان المتوكّل يستدعيهنّ في بعض الأحيان، فكنّ يذهبن إليه ليشاركنه لياليه حتى الصباح في مجالس شربه وغنائه. ذات مرّة، أرسل المتوكّل إلى تلك المرأة قائلاً: «ابعثي إليّ بعضًا من جواريك!»، فقيل له: «إنّها غير موجودة، لقد سافرت!»، حيث كان ذلك الشهر هو شهر شعبان. وبعد مدّة، عادت تلك المرأة مع جواريها، فقيل لها: «لقد بعث المتوكّل ليطلب منك إرسال جوارٍ إليه!»، فأرسلت المرأة إليه إحدى جواريها من ذوات الصوت الحسن، فسألها: «أين ذهبت سيدتك؟»، قالت: «ذهبت إلى الحجّ!»، قال: «يا للعجب! إنّه شهر شعبان، وهل يذهب أحد إلى الحجّ في شهر شعبان؟!»، قالت: «سيّدتنا ذهبت بنا جميعًا لزيارة كربلاء.. كربلاء الحسين المظلوم!»، فقال المتوكّل: «يا للعجب!! أَ وَصَلت حال الحسين إلى أن يذهب الناس لزيارة قبره، ويعتبرون هذه الزيارة حجًّا؟!»، فأمر بالقبض على تلك المرأة وحبسها ومصادرة جميع أموالها.
حينئذٍ، أمر أحد خواصّه، وهو رجل يُدعى الديزج ـ ومن المسلّم أنّه كان يهوديًّا، ويُقال إنّه أسلم ظاهرًا، وكان في بلاط الخليفة ـ بهدم قبر الإمام. فتحرّك هو وجماعة معه إلى كربلاء، وهدموا القبر وشقّوه؛ أي أنّه أمر أوّلاً جميع العمّال والأجراء بهدم القبر، فلم يجرؤ أحد على ذلك! فصعد هو بنفسه إلى أعلى القبر ـ وبالطبع، لم يكن القبر الذي بُني في ذلك الوقت كما هو عليه الحال الآن من وجود قبّة وإيوان ورواق وما إلى ذلك، بل كان له شكل قبر وحسب؛ نظير بعض المزارات التي نراها الآن في بعض القرى ولها قبّة صغيرة ـ وهدم جزءًا منه، ثم انقضّ العمّال وهدموا كل شيء؛ وجاء في بعض الروايات أنّه شجّ نفس القبر، فظهر جسد سيّد الشهداء عليه السلام ملقىً على حصير كان قد أحضره بنو أسد! فغطّى القبر، وكتب للمتوكّل: «لقد شققتُ القبر ولم أجد فيه شيئًا!». وبعد ذلك، سوّى القبر بالأرض، وأمر بحرث ما حوله حتّى مساحة مائتي جريب،۱ فاستعمُلت الثيران من أجل زراعة تلك الأرض، وأُجري عليها الماء. وكان يضع مراقبين من كلّ حدب وصوب، بحيث كلّ من يأتي لزيارة قبر سيّد الشهداء عليه السلام كان يُعدّ مجرمًا! وكان الخليفة نفسه قد أمر بالإعلان أنّه: «برىء من ذمّة الخليفة كلّ من يذهب لزيارة قبر الحسين بن عليّ!».٢
- الجَريب أحد المقاييس الإسلاميّة القديمة، كما أنّه يطلق على مقدار من الأرض المزروعة. المعرّب
- مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج الأصفهانيّ، ص ٤۷۸ و٤۷٩.
