
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
ما هي حقيقة الإيمان؟ وما هو الفارق بينه وبين الإسلام؟ ما هي الظروف الصعبة التي عانى منها الإمام الهادي عليه السلام في عصره؟ وكيف كان يتعامل المتوكّل مع أهل البيت وشيعتهم لا سيّما الإمام الهادي عليه السلام؟ بأيّة طريقة قُتل المتوكّل؟ وكيف صارت أحوال الشيعة بعده؟ ما هي الأوضاع التي عاشتها سامراء في عصر الإمام الهادي؟ وكيف تمّت ظروف شهادته عليه السلام؟ ما هي السياسات التي اتّبعها العبّاسيون من أجل التضييق على الأئمّة؟ وكيف كانوا عليهم السلام يسعون للحفاظ على الدين رغم كلّ الظروف؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بسم اللَه الرّحمن الرّحيم
والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أشرَفِ بَريَّتِهِ
خاتَمِ السُّفَراءِ المُكَرَّمينَ أبي القاسِمِ مُحَمّدٍ
وعَلَى آلِه الطيّبينَ الطاهرينَ
ولَعنَةُ اللَه عَلى أعدائِهِم أجمَعينَ مِنَ الآنِ إلى يومِ الدينِ
حقيقة الإيمان والفارق بينه وبين الإسلام
قال إمامُنا الهادي عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ عليهما السّلام:
«الإيمانُ ما وَقَّرَتهُ القُلوبُ وَصَدَّقَتهُ الأعمالُ؛ وَالإسلامُ ما جَرى بِهِ اللِّسانُ وَحَلَّت بِهِ المُناكَحَة».۱
حيث ينقل المسعودي هذا الكلام الوارد عن الإمام عليه السلام عن محمّد بن أبي الفرج عن أبي دعامة، قال:
«أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى (الإمام النقيّ عليه السلام، وطلبت منه أن يُحدّثني بحديث)، قال: "حدّثني أبي محمد بن عليّ، قال: حدّثني أبي علي بن موسى، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهم! قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: اكتب يا عليّ، قال: قال: قلت: وما أكتب؟ قال لي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، الإيمان ما وقّرته القلوب، وصدّقته الأعمال؛ والإسلام ما جرى به اللسان، وحلّت به المناكحة"، (فكتبتُ هذه الرواية التي رواها الإمام بسند متّصل عن آبائه عن رسول الله، ثمّ قلت): "يا ابن رسول الله، ما أدري والله أيّهما أحسن: الحديث (ونصّه المرويّ عن الرسول الأكرم)، أم الإسناد (الرفيع المنقول عن هؤلاء العظاء والمتّصل)؟"».
فمفاد هذه الرواية أنّ الإيمان هو ما يستقرّ في قلب الإنسان ويتمكّن فيه ويحلّ به، وتُصدّقه أفعال هذا الإنسان. أمّا الإسلام، فهو ما يجري على اللسان، ويحلّ به النكاح، حيث ورد هذا الكلام عن الإمام بناءً على الاختلاف بين معنى كلّ من الإيمان والإسلام، وهو مأخوذ من القرآن الكريم الذي جاء فيه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.٢
فالإسلام في هذه الآية الكريمة وفي تلك الرواية التي يذكرها الإمام هو عبارة عن التسليم الظاهريّ والانقياد والطاعة. فمن حيث الظاهر، كلّ من ينطق بالشهادتين يُعدّ مسلمًا، ويتمتّع بالأحكام والقوانين الظاهريّة للإسلام؛ أي أنّ أحكام الإسلام تسري عليه؛ فيكون جسده طاهرًا، ويستطيع الزواج من فتاة مسلمة، ويُمكنه دخول مساجد المسلمين، والدفن في مقابرهم، والاستفادة من الغنائم الحربيّة، وأخذ سهمه من الفيء وبيت المال، شأنه شأن بقيّة المسلمين؛ وكذلك تسري عليه سائر الأحكام الظاهريّة للإسلام، سواء أثّر هذا الإسلام في قلبه وجَعَله مؤمنًا، أم لم يؤثر فيه؛ لأنّ هذه الأمور من اللوازم الظاهريّة للحكم بالإسلام. أمّا إذا اعتنق الإنسانُ هذا الإسلام وصدّقه بقلبه، وكان اعتقاده قلبيًّا ـ وعلامة ذلك أن تشهد الأعمالُ التي يقوم بها على هذا المعنى، فتتحرّك جوارحه ويداه وقدمه وعيناه ولسانه وسائر أعضائه على أساس العقيدة التي يحملها في قلبه، لتُصدّق ذلك الإيمان القلبيّ ـ، فإنّ ذلك سيكون هو الإيمان. وعليه، فإنّ الأحكام الظاهرية تترتّب على الإسلام؛ بينما يكون الإيمان عبارة عن عمل يحدث في القلب، وتترتّب عليه نتائج ومثوبات أخرويّة.
- مروج الذهب، ج ٤، ص ۸٥.
- سورة الحجرات، الآية ۱٤.
