
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
ما هي حقيقة الإيمان؟ وما هو الفارق بينه وبين الإسلام؟ ما هي الظروف الصعبة التي عانى منها الإمام الهادي عليه السلام في عصره؟ وكيف كان يتعامل المتوكّل مع أهل البيت وشيعتهم لا سيّما الإمام الهادي عليه السلام؟ بأيّة طريقة قُتل المتوكّل؟ وكيف صارت أحوال الشيعة بعده؟ ما هي الأوضاع التي عاشتها سامراء في عصر الإمام الهادي؟ وكيف تمّت ظروف شهادته عليه السلام؟ ما هي السياسات التي اتّبعها العبّاسيون من أجل التضييق على الأئمّة؟ وكيف كانوا عليهم السلام يسعون للحفاظ على الدين رغم كلّ الظروف؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
17ولكن مع ذلك، فإنّهم حفظوا باستمرار [كلمات الإمام]، لكي نتمكّن ـ نحن الجالسون الآن في هذا المسجد ـ من قراءة الآيات القرآنيّة وتفسيرها، ومن الحديث عن شهادته عليه السلام؛ فأوصلوا إلينا هذه الكلمات بواسطة كلّ ذلك الصبر، وكلّ ذلك التحمّل للمشاقّ!
لقد سمُّوا الإمام عليّ بن محمد وأردوه شهيدًا، وجاءوا بأنفسهم، وصلّوا على جنازته، وأصدروا أوامرهم بأنّه: يجب تشييعه! وغسّلوه، وكفّنوه، ودفنوه في أفضل الأماكن، حيث دفنوا الإمام في منزله بعينه؛ وبعد الدفن، وضعوا شبّاكًا هناك، لكي يأتي الشيعة من بعيد للزيارة؛ هذا، مع أنّهم هم الذين سمّوه بأنفسهم!
تمامًا كما فعل المأمون الذي سمّ الإمام عليّ بن موسى الرضا، ثمّ مشى حافيًا خلف جنازته، وقال: «وا ويلاه! لقد رحل وليّ عهدي عن الدنيا! توفّي ابن عليّ بن أبي طالب وابن النبيّ، وتهدّم مُلكنا!»
حسنًا، هذا ليس أمرًا غريبًا؛ إذ حينما يفعلون ذلك بأبيه سيّد الشهداء عليه السلام، فما الغرابة في أن يفعلوا ذلك بالإمام عليّ الهادي؟! فعندما أمر المتوكّل بهدم قبر سيّد الشهداء وحرثه وإجراء الماء عليه ومنع الزوّار من المجيء لقبره، كتب أهل بغداد على الجدران هجاءً؛ أي كتبوا عبارات ضدّ المتوكل، وهَجَوه؛ ومن جملة ذلك، ما كتبه أحد الشعراء، والذي ألّف أبياتًا شعريّة ذات مغزى عميق، يقول فيها:
لا تعجبوا من بني أميّة إذ قتلوا ابن رسول الله، مع أنّه ابن عمّهم (لأنّ سيّد الشهداء كان من بني أعمام بني أمية)! فلا تعجبوا كثيرًا، بل تعالوا، وانظروا إلى هؤلاء (يعني بني العبّاس) الذين يقتلون ابن أبيهم (أي العلويّين)! وحينما لم يتمكّنوا من قتل ابن أبيهم سيّد الشهداء، فقد عملوا الآن على التصدّي إلى عظامه وهدم قبره! فهم يتأسّفون على أنّهم لم يكونوا متواجدين في ذلك الزمان لكي يقتلونه، فيُفرغون حقدهم وحسدهم بهدم القبر واللعب بالعظام!۱
سعي الأئمّة عليهم السلام للحفاظ على الدين رغم كلّ الظروف
لقد سعى الأئمّة عليهم السلام لحفظ الدين مع كلّ هذه الظروف!! وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة لسيّد الشهداء عليه السلام، والذي اجتمعت عليه السيوف لكي تقطعّه إربًا إربًا! وبحقّ، لو لم يكن لدى المؤرّخين والمحدّثين ـ من الشيعة والسنة، ومنذ ذلك الزمان إلى الآن ـ دافع لأن يدّونوا لنا تفاصيل هذه الأحداث، لما استطعنا تصديق ذلك أبدًا! ولو أقسموا لنا، لما استطعنا أن نُصدّق أنّهم أتوا بأبناء النبيّ، وقطّعوهم بالسيف إربًا إربًا؟! وبأيّ جرم وأيّ ذنب؟! لا شيء! لا يستطيع الإنسان أن يُصدّق بذلك! لا يستطيع أن يُصدّق به بتاتًا! يقول أحد العظماء في أشعاره:
- البداية والنهاية، ج ۱۱، ص ۱٢٦؛ راجع: معرفة الإمام، ج ۱٦ و۱۷، ص ۱۷٥.
