
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
ما هي حقيقة الإيمان؟ وما هو الفارق بينه وبين الإسلام؟ ما هي الظروف الصعبة التي عانى منها الإمام الهادي عليه السلام في عصره؟ وكيف كان يتعامل المتوكّل مع أهل البيت وشيعتهم لا سيّما الإمام الهادي عليه السلام؟ بأيّة طريقة قُتل المتوكّل؟ وكيف صارت أحوال الشيعة بعده؟ ما هي الأوضاع التي عاشتها سامراء في عصر الإمام الهادي؟ وكيف تمّت ظروف شهادته عليه السلام؟ ما هي السياسات التي اتّبعها العبّاسيون من أجل التضييق على الأئمّة؟ وكيف كانوا عليهم السلام يسعون للحفاظ على الدين رغم كلّ الظروف؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لبيان بعض مناقب أهل البيت عليهم السلام في مسجد القائم بطهران
شذرات من حياة الإمام الهادي عليه السلام
14قال أحد حُجّاب المتوكّل يُدعى زرّافة:
رأيت الإمام يمشي وهو يتصبّب عرقًا وقد انتابه التعب، فأتيت، وقلت: يا ابن رسول الله! ما هذا البلاء الذي حلّ بك؟! فقال الإمام: ﴿وَسَيَعلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾!۱ إنهم يفعلون هذا ليُذلّونا ويُهينونا بين الناس، لكنّهم لا يعلمون أنّ تلك السيادة والعظمة التي لدينا ليست ملكًا لنا، بل الله أعطانا إيّاها، ولن يقدروا على سلبنا إيّاها!
ثمّ قلتُ: يا ابن رسول الله! ألا تدعو عليهم بشيء؟! فقال الإمام: «مَا نَاقَةُ صَالِحٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَكْرَمَ مِنِّي». هكذا قال!
مرّت هذه الحادثة، ورجعتُ إلى منزلي (وقد كان حاجبًا للمتوكّل)، وكان مؤدّب أولادي منهمكًا في تدريسهم بالبيت؛ فقصصت عليه ما جرى، وأنّ ابن الرضا كان اليوم في ركاب المتوكّل بتلك الحالة، وقد انزعجت كثيرًا، وكان الإمام يعرق ويمشي بذلك النحو، فقلتُ له: ألا تدعو عليهم بشيء؟ فقال الإمام: «مَا نَاقَةُ صَالِحٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَكْرَمَ مِنِّي».
فقال ذلك المؤدّب: «بالله عليك، هل قال هذه الجملة تحديدًا؟! قلّ الحق! اصدقني القول!» قلت: نعم! سألته: ألا تدعو عليهم بشيء؟ فقال الإمام: «مَا نَاقَةُ صَالِحٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَكْرَمَ مِنِّي».
فقال لي ذلك المعلّم: «اذهب وتدارك أمرك، واجمع أموالك، فالخطر قريب؛ إذ سيموت المتوكّل بعد ثلاثة أيّام!» قلت: من أين استنتجت هذا؟
قال: «من الآية القرآنيّة: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُم ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ﴾؛٢ فبعد أن عقروا ناقة صالح، أتى عذاب الله، وقال [نبيّ الله صالح]: لم يبق سوى ثلاثة أيّام، ويحلّ بكم العذاب جميعًا! وهنا، نجد أنّ الإمام بنفسه هو الذي ينطق بهذه العبارة: «مَا نَاقَةُ صَالِحٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَكْرَمَ مِنِّي»، فلن يعيش المتوكّل أكثر من ثلاثة أيّام!»
يقول: كنّا نحسب الساعات والدقائق؛ وفي نفس الوقت الذي ذكره الإمام، أرسل المنتصرُ الغلمانَ الأتراك، فجعلوا جسدي الفتح بن خاقان والمتوكّل قطعة واحدة؛ وذلك بعد مرور ثلاثة أيّام!٣
«الإِيمَانُ مَا وَقَّرَتْهُ الْقُلُوبُ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ». يحتاج الإنسان إلى الإيمان القلبيّ في كلّ زمان، بحيث يستوعب هذا الإيمان قلبه، فيقبله، ويعتقد به اعتقادًا حقيقيًّا، ولا تكون الأعمال التي يقوم بها متعارضة معه، ولا يقول: «لقد أودعت الإيمان في قلبي»، لكنّ يده ورجله وعينه وأذنه تحكي عن شيء آخر؛ فهذا غير صحيح! فلدينا آية قرآنيّة مفادها أنّ الذين تبيضّ وجوههم يوم القيامة هم الذين اكتسبوا الإيمان، وقاموا بأعمال صالحة طبقًا لهذا الإيمان، حيث تكون هذه الأعمال الصالحة مصدّقة لإيمانهم. وإلاّ، فقد كان جميع الأفراد زمن المتوكّل من كبار القوم والرؤساء والوزراء والمعارضين مسلمين. فمن خلال هذه العبارة، يريد الإمام أن يقول لأبي دعامة: إنّ هذا الإسلام لا ينفع في شيء! «وَالْإِسْلَامُ مَا جَرَىٰ بِهِ اللِّسَانُ وَحَلَّتْ بِهِ الْمُنَاكَحَةُ»؛ فنجد هؤلاء يعتنقون الإسلام من أجل المتع الظاهريّة، والاستفادة من بيئة الإسلام وبيضته وأحكامه؛ وأمّا ما ينفع الإنسان، فهو الإسلام الذي يستقرّ في القلب، حيث وصل إلينا هذا الحديث بسلسلة سند متّصلة عن الإمام، عن آبائه الكرام، عن النبيّ الأكرم نفسه.
- سورة الشعراء، الآية ٢٢۷.
- سورة هود، الآية ٦٥.
- مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص ٢٦٦؛ الخرائج والجرائح، ج ۱، ص ٤۰۱؛ عيون المعجزات، ص ۱٣٣.
